
#حرب_الدين_والمعتقد
مقال :5 / 1 / 2026
بقلم: د. #هاشم_غرايبه
يعتقد كثير من معادي الدين أنه لا حاجة للدين في حياتنا العملية، ويحاولون دوما ربطه بالصراعات وبالعنف الناجم عنها، لذلك يشيعون مقولة أنه لو جرى تنحية “إحتياجنا غير العملي للدين” يمكننا أن نخلق مجتمعاً أكثر سلمية.
انهم بذلك الفهم المجزوء لدور الدين يخطئون في فهم الطبيعة البشرية، فالتاريخ يقول أنه لو وضعنا الدين جانباً، سيأخذ أمر آخر مكانه: الأطماع ..المصالح .. المعتقد (الأيديولوجيا) ، وكل تلك الأمور لا تنتج أبداً سلماً.
الحقيقة هي أن الديانة الحقيقية كما أنزلها الله (وليست التي حرّفها البشر المغرضون) هي الأسلوب الوحيد الذي يحفظ البشرية من السقوط في المنزلقات الأنانية، التي هي المحرك الأساسي للنزاعات والقلاقل والحروب، وذلك لأن الدين يعتمد على تعزيز نوازع الخير (نفع الآخر) بتحفيز الإقبال عليه ترغيبا بحسن الجزاء، وتخفيف نوازع الشر(الإستئثار الأناني) بالردع الذاتي ترهيبا بسوء العاقبة في الدنيا وبعد الموت.
في المقابل ليس هنالك من معتقد يعزز أو منهج بشري يقيم الخير والصلاح في المجتمعات البشرية يمكن أن يؤدي الدور ذاته، لو أخذنا ” الشيوعية” مثالا على أكثر الأيديولوجيات النقيضة للدين، ففي مرحلة التطبيق العملي في الإتحاد السوفياتي منذ عام 1917 وخلال ثلاثين عاما، ذهب الملايين ضحية لترسيخ هذا المعتقد بالقوة.
في عام 1937 صادق “ستالين” على حكم محكمة “الترويكا” بإعدام (436 ألف) شخص بتهمة التخريب، وهي المسمي الذي أطلقه على (مناهضة الشيوعية)، وتم تنفيذ الحكم فيهم في ميدان الرماية في ضاحية “بوتوفو” في موسكو، هذا عدا عن مئات الآلاف قضوا في منافي سيبريا، لكن المؤرخين يتفقون على أن عدد الضحايا الإجمالي لما عرف بالتطهير الستاليني يزيد على عشرة ملايين.
في المقابل وخلال عشرات القرون من ترسيخ الدين ابتداء من رسالة موسى عليه السلام وانتهاء باستكماله بالرسالة الإسلامية لم يذهب عشر معشار هذا العدد، بسبب أن الدين كان بالدعوة والإقناع ولم يتم اللجوء الى القتال إلا لحماية حرية الدعاة بنشرها.
على الطرف المعاكس في الأيديولوجيات النقيضة كانت “الرأسمالية” الأوروبية، ليست أقل دموية، كونها تعتمد على عنجهية القوة في فرض مبادئها، فقد أزهقت أرواح أكثر من 100 مليون انسان ضحية الحروب في القرن العشرين وحده، لم تكن لأي منها علاقة بالدين أو نشر مبادئ المسيحية، بل استغلت المسيحية تحت شعار حماية قبر المسيح من قبل السياسيين وأصحاب الأطماع لغرض التحشيد وتسويغ الحروب، فأطلقوا عليها مسمى “الحروب الصليبيه”.
وفي العصر الحديث لم يتغير نهجها مع التقدم الذي تدعي أنها حققته في مجال حقوق الانسان وترسيخ مبادئ الديمقراطية، ففي حصار العراق وشن الحرب عليه بحجة تخليصه من الاستبداد، ذهب أكثر من مليون طفل عراقي ضحية لذلك، وعندما سئلت “مارغريت تاتشر” عن ذلك أجابت: “انه ثمن معقول لترسيخ الديموقراطية!”.
ما أسلفنا ينقض مفهوم الحروب الدينية، فلم يطلب الدين ممن أتبعوه أن ينشروه بالقوة ولا أن يكرهوا الناس على اعتناقه، من ابتدع ذلك هم معادو الدين أصحاب المصالح المتضررة من تطبيق مبادئه في العدالة والمساواة.
العنف أوجده معادو الدين، عندما أنشأوا حالة من رفض أتباع الرسالة السماوية للتي جاءت بعدها، ثم أنشأوا الخلافات المذهبية والطائفية، وجاء الطمع بالسلطة ليؤججها، فأصبح النفخ في جمر الإختلاف وسيلة السياسيين المفضلة.
ففي أوروبا ذهب ملايين في صراعات الكنيسة الطائفية، وفي العالم الإسلامي ما زال الصراع المذهبي محتدما وعائقا أمام تقدم المجتمع ورخائه.
من معرفة المستفيد من وراء إدامة هذه الحالة نعرف من يؤججها.
نستخلص مما سبق أن مصطلح الحروب الدينية هو مخادعة وتمويه للحقيقة، هي الحرب على الدين، وهي مستمرة، يذكيها الظالمون منذ أن أنزله الله لنصرة المظلومين.
