
سهير جرادات
معطوبون في مناصب عليا
لم أتفاجأ وأنا أستمع لبرنامج بصراحة مع ياسر النسور على إذاعة روتانا ، عندما عرض الزميل عصام مبيضين محلل الشؤون البرلمانية،قائمة بأسماء رؤساء وزراء ووزراء حصلوا على راتب إعتلال بعد تقاعدهم .
لكن ما فاجأني أمران أولهما ، عودة عدد من هؤلاء إلى العمل في الوظائف الحكومية أو في مؤسسات رسمية ، مع أن القوانين لا تجيز عودتهم للعمل وتولي أي مسؤولية مهما صغرت أو كبرت بأي صورة من الصور؛ كونهم خرجوا بمعلولية أي أنهم غير قادرين على القيام بمهامهم الوظيفية لاصابتهم بعجز يعيقهم عن القيام بواجباتهم الوظيفية، ويحد من قدرتهم على العمل ، إلا أن بعضهم عادوا للعمل في وظائف حساسة ، مثل : رؤساء وزراء وديوان ملكي ووزراء ومديرين ورؤساء مجالس إدارة، ويديرون مواقع مهمة.
إن عودة مثل هؤلاء إلى ظائف قيادية يعتبر تطاولا على المال العام ،لأن من شغل هذا المنصب وحصل على المعلولية فهو عاجز وغير قادر على العمل اليومي، فكيف يكون قادرا على حمل المسؤولية؛ وبالتالي لا يجوز له أن يتولى أي مسؤولية أو مهنة؛لأن الحكومة صرفت له راتبًا مخصصًا عن عجز أصيب به جراء عمله جعله غير قادر على القيام بمهام العمل .
والأمر الآخر الذي لم يفاجئني ، بل صدمني ألا وهو، أن هذه القائمة تم إعدادها ردا على سؤال للنائب مازن الضلاعين الذي تقدم به عام 2013 ، مستفسرا من الحكومة حول هؤلاء المسؤولين “المعتلون” الذين يعودون إلى العمل ، ورغم ورود الاجابة من وزارة المالية،إلا أن المجلس لم يعرض هذه الاجابة ولم يناقش هذا الأمر لغاية الآن تحت القبة ، وإن دل هذا على شيء إنما يدل على أن المجلس يتعرض لضغوط يرضخ لها في عدم فتح ملفات حساسة تحرج المسؤولين في الصف الأول ، أو أن المجلس يُجبر على السكوت عن زلات وأخطاء أعضاء الحكومات لغايات “تمشاية” المصالح من منطلق ” حكلي لاحكلك ” .
لن تجد تفسيرا منطقيا لما يحصل وأنت تمر على قائمة أسماء كبار المسؤولين الحاليين والسابقين من الذين حصلوا على رواتب “معلولية”،إلى جانب رواتبهم التقاعدية ،والتي تصل إلى ثلث قيمة الراتب، لتصل قيمتها على المتقاعدين الجدد من المسؤولين الذين غادروا كراسيهم مؤخرا ما مقدارة بين 400 – 1250 دينار شهريا ، لحصولهم على نسب عجز تراوحت بين ( خفيف ، جزئي ، جسيم وكلي) نتيجة اصابتهم بأمراض خطيرة ، حصرتها اللجنة الطبية التابعة لوزارة الصحة لصرف المعلولية بمرضين فقط؛ هما: أمراض القلب، والديسك ،فمجرد حصولهم على “معلولية ” في حال إدعاء بعضهم ، يدل على أن هناك تغولا على عمل هذه اللجان،وتمارس عليها الضغوط بشتى الألوان .
عندما يخرج الموظف من الخدمة العامة براتب مرتفع لحصوله على نسبة عجز كبيرة ،تصل إلى 75 % ، هذا يعني ببساطة عدم قدرته على العمل يعني أنه معطوب ،وعندما تعيده إلى الخدمة من جديد فإن ذلك يتعارض مع المادة 43 من نظام الخدمة المدنية لسنة 2014، الذي يؤكد من ضمن بنوده عند تعيين الموظف أن يتحقق الشرط التالي: أن يكون الموظف سالماً من الأمراض والإعاقات البدنية والعقلية التي تمنعه من القيام بأعمال الوظيفة التي سيعين فيها بموجب قرار من المرجع الطبي المختص.
وهذا لم يطبق عندما عُين ذلك الوزير الذي تولى حقيبة التربية والتعليم في احدى الوزارات الحديثة، والتي غادرها اخيرا ، رغم حصوله على نسبة عجز قدرت بأنها “جسيمة” بموجب قرار اللجنة الطبية ، لما يعانيه من نوبات ذبحة صدرية، وتصلب شرايين القلب ونقص التروية في القلب، وإصابته باحتشاء عضلة القلب، ويعاني من تغيرات شديدة في العمود الفقري.
والأدهى أن رئيسة الذي عينه حاصل أيضا على عجز يتقارب معه في النسبة التي تصل الى 75 % ، حيث تمنع القوانين تعينهما معا لعدم قدرتهما على العمل ، ليسجلا بذلك مخالفة صريحة للمادتين(27 و28) من قانون التقاعد المدني وتعديلاته رقم 34 لسنة 1959 المتعلقة بمنح راتب إعتلال لكل من منح تقارير صادرة عن اللجنة الطبية العليا تثبت تعطله بطريقة تعيقه عن العمل .
إن ما يؤلم ، أن بعض من حصلوا على رواتب “اعتلال” خدموا فترات بسيطة في الحكومة لم تتعد الأشهر القليلة ، بعد أن انتقلوا اليها من القطاع الخاص ، فكبدوا خزينة الدولة رغم مديونيتها خسائر كبيرة،هي بالأصل من حق المواطن،وكلما كانت نسبة العجز عالية،تكون نسبة المعلولية أكبر،وبالتالي الزيادة في الراتب التقاعدي.
الأكثر طرافة في الأمر أن المواطن عندما يبدأ حياته الوظيفية يُطلب منه شهادة خلو أمراض ، واجراء فحوصات طبية ومخبرية تثبت حالته الصحية ومدى ملائمته وقدرته على العمل والعطاء ، إلا أن من يديرون دفة العمل من على أعلى رأس الهرم الوزاري لا يطلب منهم شهادة إثبات قدرات جسدية أو شهادة خلو أمراض ، وهنا تظهر المزاجية في تطبيق القوانين على مبدأ ” زيد يرث وزيد لا يرث ” .
وما يثير الاستهجان الطلب من المسؤولين تقديم كشف اشهار ذمة مالية ، ولا يطلب منهم اشهار حالاتهم الصحية وقدراتهم الجسدية وسجلاتهم الطبية.
من الواضح أن الجهات الرقابية تغفل أو تتعمد السكوت عن مفهوم التكسب من خزينة الدولة التي تحولت بالنسبة للبعض إلى صندوق معونة وطنية ، بعد أن أصبح بعض كبار المسؤولين ممن ادعوا المرض وخرجوا بمعلولية كونهم حالات انسانية تستفيد من هذه المعونات الوطنية ، في حالة غريبة عرفت بيننا :” الهبش الحلال من المال العام” .
إن المتكسبين حولوا كراسي المسؤولية إلى مناصب للتكسب ،وبلع ما يستطيعون بالامكان بلعه ، مقدمين بذلك قدوة وعبرة للأبناء والأجيال القادمة حول آليات “الهبش” ،وكيف باستطاعتك أن تتحول إلى “هبيش”! خاصة بعد أن تغاضى حراس المال العام والجهات الرقابية عن تلك التجاوزات التي تم تسهيلها لهم ، بتغييب مبدأ الحساب والعقاب ، وبعد أن رفعت راية احترام الكسيب،الذي يسرق مال الوطن ، فيما نُعت من يحافظ على مقدرات وطنه بأنه ضيق النظر.
وحتى لا نصل إلى مفهوم “تحليل هبش مقدرات الدولة “، على الجهات الرقابية العودة لمزاولة عملها، الذي توقفت عن أدائه، أو طُلب منها التوقف عن ممارسته لغايات “كسر العين”، والسيطرة على المتجاوزين ،وتقوم بتطبيق القوانين على الجميع على حد سواء ، لتصبح مناصبنا العليا بعيدة عن العطب ، وخالية من المعطوبين .
Jaradat63@yahoo.com



