
#سواليف – خاص
كتب .. القاضي المتقاعد #عقيل_العجالين
بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. الموضوع :-مشروع #قانون_الجرائم_الالكترونية .
المسألة موضوع البحث :-.
ما تضمنه مشروع هذا القانون من مخالفات لا اقول انها دستورية فقط وانما هي #مخالفات للانظمة القانونية الحديثة .التي رافقت نشوء الدول الحديثة .
مقدمة
التزمت الدول الحديثة بميثاق الأمم المتحدة حيث تبنت هذه الدول الحديثه انظمة قانونية تقوم على المساواة وإقامة العدل داخل الدولة سواء في علاقة الأفراد بين بعضهم البعض أو بينهم وبين الدولة كصاحبة سلطان وسيادة وتبنت دساتير هذه الدول بيان الحقوق والحريات العامة للمواطنين بما يتفق مع المبادئ العالمية ومن هذه المبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها لذلك نجد دوماً في الدساتير نص يتضمن بأن الشعب مصدر السلطات أو أن الأمة مصدر السلطات كما هو وارد في الدستور الأردني.هذا وتتكفل الدولة بإقامة العدل والمساواة للشعب الذي هو مصدر السلطات وذلك عن طريق السلطات الثلاث فيها كل منها حسب اختصاصها المبين في الدستور وبما أن الشعب مصدر السلطات فهو صاحب الاختصاص الأصيل في ممارسة السلطة إلا أن الدولة بسلطاتها الثلاث هي وكيل عن الشعب في ممارسة السلطة وإدارتها ضمن معايير العدالة والمساواة لذلك فان للشعب حق الرقابة على الدولة بسلطاتها الثلاث عند القيام بواجب إقامة العدل والمساواة بين الجميع ومن هنا جاءت النصوص الدستورية بالحقوق والحريات العامة ومنها الحق في التعبير عن الرأي ضمن أحكام القانون وبأي وسيلة وفق ما نصت عليه المادة 15 من الدستور وكذلك الحق في مخاطبة السلطات الوارد في الماده 17 من الدستور الأردني ولا يخفي على احد بأن ما ورد في هاتين المادتين من الدستور هو ضروري لمراقبة الأداء العام لسلطات الدولة وإدارتها المختلفة لذلك فان التعبير عن الرأي ومخاطبة السلطات العامة فيما ينوب المواطنين في مصالحهم الشخصية والعامه هي حقوق دستورية لا يمكن مصادرتها بأي وسيلة كانت إلا بطريق العودة إلى النظم القديمه قبل ظهور الدوله الحديثه حيث كانت هذه النظم القديمه تقوم على الاستبداد والتسلط المستند إلى خرافات تتمثل بأن الحاكم هو ممثل الإله وأنه يستمد سلطته واوامره من السماء لذلك فان مصادرة حق التعبير والحق في مخاطبة السلطات لا يعني العودة إلى الاحكام العرفية وانما يعني الإنقلاب على نظام الدولة القانوني القائم على المساواة وتحقيق العدالة للجميع.
ان الماده 15/ب من مشروع قانون الجرائم االالكترونية يصادر حق التعبير عن الراي وحق المواطنين في مخاطبة السلطات العامة فيما فيما ينوبهم في مصالحهم الشخصية او العامة عندما عاقبت هذه الماده كل من يقوم بفعل ذم او قدح او تحقير بواسطة الشبكة المعلوماتية او وسائل التواصل الاجتماعي واكدت على ملاحقه كل من يقوم بهذا الفعل اذا كان موجها الى سلطات الدولة واداراتها او اي عضو او موظف فيها علاوة علي أن الملاحقة تتم فوراً دون حاجه لتقديم شكوى أو ادعاء بالحق الشخصي.
وفي ظل هذا النص من يجرؤ من المواطنين على مخاطبة السلطات العامة وانتقاد عملها العام في صميم الخدمة العامه التي مصالح المواطنين الخاصة والعامة؟!!!.
ان من يقوم بذلك سيتعرض للملاحقة والعقاب بشكل فوري دون حاجة إلى شكوى أو ادعاء..
ان هذا النص هو طائر يغرد في غير سربه حيث ان مكانه أنظمة الإستبداد القديمة التي كانت سائده في أوروبا في العصور الوسطى (المظلمه) ولا مكان له في الأنظمة القانونية في الدول الحديثة القائمة على المساواة ومنها النظام القانوني الأردني ..ولا ينطبق عليه القول بأنه عودة إلى الأحكام العرفية كما لا ينطبق عليه الوصف بأنه مخالف للدستور فحسب
فالمسألة اكبر من ذلك بكثير كونه يخرج عن أي نظام قانوني قائم على المساواة ويعتبر انحراف تشريعي وانقلاب على حقوق وحريات اساسية لا يمكن مصادرتها.
وبعد هذا البيان فانه لابد من بيان تاثير حريه التعبير عن الراي التي تكفلها الدولة والحق في مخاطبه السلطات على عمليه التجريم والعقاب في كافه القوانين والتشريعات التي تتضمن النص على جرائم معينة وتبين العقوبات المقابلة لكل فعل جرمي وذلك على النحو التالي:-
من حيث الاثر الموضوعي الذي تتركه الحقوق الدستورية على التجريم والعقاب؛- فان اثرها يحيل الفعل الى فعل مبرر حتى لو كان مجرما لذلك نصت الماده 59 من قانون العقوبات على ان (الفعل المرتكب في ممارسة حق دون اساءة استعماله لا يعد جريمة).
كما نصت الماده 61 من قانون العقوبات على (لا يعد الفعل الذي يجيزه القانون جريمة).
من خلال هذين النصين يتبين بشكل واضح انه لا يمكن تجريم فعل اجازة القانون لان المشرع لا يمكن ان يناقض نفسه فينص على جواز فعل معين ومشروعيته ثم يعود وينص على تجريمه.
بما ان حق التعبير عن الراي وحق مخاطبة السلطات قد نص عليهما الدستور وهو اعلى مراتب القانون واعلى مراتب التشريع فانه بالطبع لا يجوز بحال من الاحوال تجريم الفعل اذا كان تعبيرا عن الراي او ممارسة لحق مخاطبة السلطات. وبالرغم من ذلك نصت الماده 15 / ب من مشروع قانون الجرائم الالكترونية على تجريم وملاحقة من ينتقد او يذم او يقدح موظف عام او سلطة عامة وهذا النص لا يراعي الحقوق والحريات الدستورية..
إن الحقوق والحريات التي يجيزها القانون والدستور تعتبر من أسباب التبرير المنصوص عليها في القواعد الاولية الوارده في قانون العقوبات وهذه القواعد هي ضوابط تحكم نصوص التجريم والعقاب الواردة في نصوص قانون العقوبات اللاحقة كما أنها تطبق على أي نصوص تتضمن جرائم وعقوبات سواء كانت هذه النصوص في قانون الجرائم الإلكترونية أو غيره من القوانين..
أن ضوابط التجريم والعقاب التي وضعها المشرع في المواد الأولية من قانون العقوبات المواد من (1-105) وضعها من أجل أن تنسجم أحكام القوانين والتشريعات مع بعضها البعض حيث ان القوانين والتشريعات تشكل النظام القانوني في الدولة فلا يجوز أن تختلف وتتناقض فيما بينها لذلك تم وضع ضوابط التجريم والعقاب في الكتاب الأول من قانون العقوبات وكان من بينها النص على تبرير الأفعال التي تجيزها التشريعات والقوانين الأخرى ويمارسها الأشخاص كحقوق مشروعة على الوجه الجائز قانوناً
من حيث الناحيه الإجرائية والمتمثله بإجراءات التحقيق:-.
إذا كانت الحقوق والحريات الدستورية والقانونية تحيل الفعل وتجعله مبرراً بعد أن كان مجرما فان ذلك يعني أن الفعل مباح ولا يشكل جرما وبالطبع فإنه غير معاقب عليه وبذلك فإنه لا يجوز توقيف المشتكى عليه بذلك الفعل وفقاً لنص المادة 114/2من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تنص على مايلي:-(بعد استجواب المشتكى عليه يجوز للمدعى العام ان يصدر بحقه مذكره توقيف وفق ما تقتضيه الفقره 1 من هذه الماده….. إذا كان الفعل المسند إليه معاقبا عليه…….)فلا يجوز التوقيف إلا إذا كان الفعل معاقبا عليه أما إذا كان مبرراً ويحيزه القانون فلا يجوز ذلك.
الجدير بالذكر أن الفقره ب من المادة 15 من قانون الجرائم الإلكترونية قد نصت على الملاحقة الفورية من قبل النيابة العامة وهذا بالطبع يحتم توقيف ذلك الشخص الذي جرت ملاحقته بموجب الفقرة السابقة من الماده السابقة وبذلك تتضح وتظهر مخالفة ضوابط التجريم والعقاب.
هذا وبعد بيان أثار أسباب التبرير القانونية أو الأفعال التي يجيزها القانون على عملية التجريم والعقاب فإنه لا بد من مقارنة نص المادة موضوع البحث من مشروع قانون الجرائم الإلكترونية مع نصوص عقابيه أخرى متعلقة بذات الموضوع حتى يتم استجلاء الفرق وتوضيح إنقلاب مشروع القانون على نظام الدولة القانوني وعلى الحقوق والحريات العامة وفقاً لمايلي:-.
1-نص الماده 192/1 من قانون العقوبات عندما اتت على معالجه هذه المسالة وهي ذم وقدح وتحقير الموظف العام حيث ان هذه الماده قد راعت حق التعبير عن الراي ومخاطبه السلطات عندما نصت على ما يلي: (اذا طلب الذام ان يسمح له باثبات صحه ما عزاه الى الموظف المعتدى عليه فلا يجاب الى طلبه الا ان يكون ما عزاه متعلقا بواجبات وظيفة ذلك الموظف او يكون جريمة تستلزم العقاب قانونا)
تتضح مراعاه حق التعبير عن الراي والحق في مخاطبة السلطات من خلال مطلع هذا النص حيث انه يسمح لمن قام بذم الموظف العام ان يثبت صحة ما اسنده الى ذلك الموظف.
وجاءت الفقرة الثانية من المادة السابقة واتمت الحكم عندما نصت(فاذا كان الذم يتعلق بواجبات الوظيفة فقط وثبتت صحته فيبرأ الذام والا فيحكم عليه بالعقوبة المقرره للذم.
الفقره الثالثه من السابقة نصت على معاقبة الذام بجرم الافتراء إذا ثبت أن الذام يعلم براءة ذلك الموظف. .
نلاحظ على هذا النص أنه قد وازن بين حق التعبير عن الرأي والحق في مخاطبة السلطات وبين المحافظة على الموظف من الاعتداءات المغرضة والتي تشكل جرم الافتراء ذلك أنه من شأن السماح للذام بإثبات صحة ما عزاه للموظف العام من شأن ذلك صيانة حقه الدستوري دون أن يتعرض للعقاب أو التوقيف وهذه الصيانة للحق الدستوري يخلو منها مشروع قانون الجرائم الإلكترونية.
ان نص الماده السابق الوارد في قانون العقوبات الأردني رقم 16لسنة1960 منقول عن القانون الفرنسي كغيره من نصوص قانون العقوبات وقد ورد فيه مراعاه لحرية التعبير عن الرأي نظراً لنقله كما هو وكونه لم يتعرض إلى الإنحراف التشريعي الذي يستهدف مصادرة الحقوق والحريات.
2-نص الماده 198 من قانون العقوبات الأردني التي نصت صراحة على حرية النشر في فقرتها الاولى بأنه مشروعاً مباحاً إذا تم صحيحاً ويعود بالفائدة على المصلحة العامة.
وهذا النص ضروري لقيام الصحافة بدورها نظراً لأهمية الدور الذي تقوم به الصحافة حيث يطلق عليها السلطة الرابعة كجهه تمثل أداة الرقابة الشعبية.
كما نصت الفقرة الثانية من المادة السابقة على صور مشروعة ومبررة ومستثناة من المؤاخذة الجزائية بنصوص تنظم مسألة النشر والتعبير وعلاقته بالمصلحة العامة والسلطات العامة والرسمية في الدولة.
من خلال النصوص السابقةه في قانون العقوبات يتبين الفرق بينها وبين النص الوارد في مشروع قانون الجرائم الإلكترونية.
خلاصة ما تقدم فإن ممارسة الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور وفي القوانين الأخرى هي ممارسة مبررة يجيزها القانون وبالتالي فإنها تقلب الفعل مبرراً حتى لو كان مجرما مما يعني حماية الفاعل من التوقيف والعقاب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.





