3 خيارات امام إيران لإحتواء الاحتجاجات

سواليف _ حتى مساء يوم الجمعة الماضي، كانت الأنظار متجهة صوب الوضع في العراق ولبنان إثر اندلاع احتجاجات شعبية عارمة في الدولتين منذ أكثر من شهر، إلا أنها فجأة استدارت نحو إيران بعد انتقال عدوى الاحتجاجات إليها والتي فجّرها يوم الجمعة الماضي قرار للسلطات برفع أسعار الوقود ثلاثة أضعاف، لتجتاح هذه الاحتجاجات سريعاً معظم المحافظات الإيرانية. ففي اليوم الثاني، أي أول من أمس السبت، طاولت الاحتجاجات أكثر من 25 مدينة، تخلل بعضها أحداث عنف واشتباكات وتخريب واسع للممتلكات العامة، وفق ما أظهرت مقاطع فيديو منتشرة على شبكات مواقع التواصل الاجتماعي وتقارير إعلامية محلية. على وقع ذلك، عمدت السلطات إلى قطع الانترنت، وسط تهديدات متصاعدة بمواجهة من تصفهم بـ”المخربين” و”المتآمرين”، خصوصاً بعدما دعم المرشد الإيراني علي خامنئي القرار قائلاً “إنه يؤيد ما يقرره رؤساء السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، داعياً إلى تنفيذ القرار، ومشيراً إلى أن من وصفهم بـ”الأشرار والحاقدين ومناهضي الثورة” هم وراء عمليات التخريب التي تخللت الاحتجاجات على رفع سعر الوقود، مع توجيه الاتهام لجهات خارجية بالسعي لضرب أمن إيران.

وفيما تصاعدت الأزمة سياسياً مع تسجيل استقالة نائب داخل البرلمان، وتحركات داخله لاستجواب رئيسه علي لاريجاني ورئيس الجمهورية حسن روحاني خرج الأخير مساء أمس ليؤكد عدم السماح بإثارة الإضطرابات الأمنية في المجتمع. وبينما أشار إلى أن الاحتجاج حق للشعب لكن يجب فصله عن الشغب، أصدر تعليمات في البدء بدفع مساعدات مالية اعتباراً من اليوم الإثنين للأسر متوسطة ومحدودة الدخل.
وتواصلت الاحتجاجات في إيران أمس الأحد لليوم الثالث على التوالي، وسط هجمات على مواقع حساسة في البلاد بحسب تقارير إعلامية. ونشرت وكالة “فارس” تقريراً لافتاً نقلاً عن من وصفتها بـ”مؤسسة أمنية”، من دون الكشف عن هويتها، حول الأحداث الحاصلة في إيران. وذكرت الوكالة في تقريرها أنّ التقديرات تكشف عن وجود “عنف منظم وواسع” في التظاهرات، وأنّ عدد المحتجين و”مثيري الشغب” منذ مساء الجمعة إلى أمس الأحد، بلغ 87400 شخصاً، منهم 82200 رجل و5200 امرأة فيما لفتت إلى اعتقال 1000 شخص.

وذكرت الوكالة أنّ عدداً كبيراً من المحتجين تواجدوا فقط في محل التجمعات من دون التعاون مع من وصفتهم بـ”نواة أعمال الشغب”، مضيفة أنّ أجهزة الأمن “أرسلت لهم رسائل نصية تحذيرية”. وأشار التقرير إلى أنّ “طريقة عمل النواة الرئيسية تظهر أنهم مدربين جيداً وكانوا يترصدون الفرصة، خلافاً لكثير من الناس الذين تفاجأوا برفع أسعار الوقود”. وأضاف تقرير “فارس” أنّ من بين 1080 مدينة وقضاء في إيران “وقعت احتجاجات صغيرة وكبيرة في 100 نقطة بالبلاد”، مشيراً إلى أنّ أعداد المشاركين فيها تراوحت بين “50 إلى 1500 شخص”.

“وكالة “فارس”: في محافظة واحدة فقط تعرض أكثر من 100 مصرف و57 متجر كبير للإحراق والنهب”

وأوردت “فارس” أن “حجم العنف والتخريب الذي يمارسه مثيرو الشغب أكثر انتشاراً وقوة بالمقارنة مع احتجاجات اقتصادية مماثلة اندلعت في يناير/كانون الثاني 2018″، معتبرةً أنّه على ضوء ذلك “زادت الخسائر في الأرواح والأموال”، من دون الكشف عن عدد القتلى والخسائر المادية. إلا أنها كشفت عن مقتل “عدد من قوات الشرطة والباسيج” في الاحتجاجات، منهم ضابط برتبة رائد في مدينة كرمانشاه غربي إيران.

وفي السياق، قال قائد قوات الأمن الداخلي في محافظة كرمانشاه العميد علي أكبر جاويدان، وفقاً لما أورده موقع الشرطة الإيرانية، إنّ “مسلحين هاجموا السبت 24 مركزاً للشرطة أثناء الاحتجاجات في مدينة كرمانشاه”، مضيفاً “أنهم كانوا بصدد السيطرة عليه”. وتابع أنّ “الرائد أصيب بطلقات نارية أثناء تصديه للمهاجمين المسلحين”.

وفيما يتعلق بالخسائر المادية، أشارت “فارس” إلى أنّ محافظات خوزستان وطهران الكبيرة وفارس وكرمان شهدت عمليات تخريب واسعة للممتلكات العامة، لافتةً إلى أنه “في محافظة واحدة فقط تعرض أكثر من 100 مصرف و57 متجر كبير للإحراق والنهب”.

وبعد بيانات وتحذيرات أمنية للشرطة والنيابة العامة، أطلقت وزارة الاستخبارات الإيرانية، أمس الأحد، في بيان، تحذيراً لمن وصفتهم بـ”المخربين والمخلين بالأمن العام”، مشيرةً إلى أنها “اكتشفت العناصر الرئيسية في الاضطرابات الأمنية”، مع تأكيدها على أنها “تقوم بالإجراء المناسب في التصدي لهم وستعلن عن النتائج لاحقاً”.

من جهتها، أفادت قناة “بي بي سي” البريطانية (الناقطة بالفارسية) بأن عدد قتلى الاحتجاجات وصل إلى 12 شخصاً، بينما لم تؤكد السلطات الإيرانية بعد إلا مقتل شخصين.

في الأثناء، يواجه الإيرانيون منذ مساء السبت صعوبة كبيرة في الوصول إلى خدمة الإنترنت في أنحاء البلاد، فيما كشف “مسؤول مطلع” أمس لوكالة “إيسنا” الإيرانية، أنّ السبب يعود إلى قرار للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بقطع الخدمة. وبينما عطلت سلطات طهران المدارس الأساسية والإعدادية لأسباب جوية بسبب تساقط الثلوج، وفق ما قالت، أعلنت السلطات المحلية في مدينة أصفهان ومحافظة فارس إغلاق المدارس بسبب “المشاكل” التي خلفتها الاحتجاجات.

وزارة الاستخبارات الإيرانية تحذر من وصفتهم بـ”المخربين والمخلين بالأمن العام””

ومع استمرار الاحتجاجات لليوم الثالث على التوالي، تبرز تساؤلات قوية عن طبيعتها والشعارات المرفوعة فيها، وآفاقها وخيارات السلطات الإيرانية في التعامل معها، وكذلك السيناريوهات المتوقعة. فالتطورات الداخلية في إيران، أيا كان شكلها وطبيعتها، لن تبقى آثارها وتداعياتها داخل الحدود، لما لها من أهمية جيواستراتيجية، تطاول المنطقة المشتعلة بالأساس برمتها، وذلك بالنظر إلى الدور والموقع الكبيرين اللذين تحظى بهما طهران في الشرق الأوسط. وكذلك لأنّ هذه الاحتجاجات تأتي في ضوء وصول التوتر بين طهران وواشنطن إلى مستويات خطيرة خلال الأشهر الأخيرة، والتي مارست فيها الإدارة الأميركية ضغوطاً اقتصادية قصوى عبر شنّ حرب اقتصادية على إيران، ما دفع الأخيرة إلى اتهام الولايات المتحدة، أكثر من مرة، بأنها تسعى من خلال هذه الضغوط إلى تأليب الشارع الإيراني على النظام بغية تغييره وعودتها إلى البلاد. كما أنّ ما قامت به الحكومة الإيرانية فيما يتعلّق برفع أسعار الوقود كان بمثابة “خطوة اضطرارية” لمواجهة تداعيات الضغوط الأميركية، لكنها أثارت احتجاجات داخلية، قوبلت بترحيب أميركي، وفق ما جاء على لسان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، السبت الماضي.

على ضوء هذه المعطيات، وفي توقيت حساس إقليمياً ودولياً، اندلعت الاحتجاجات التي تعدّ الأولى من نوعها بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في الثامن من مايو/أيار 2018، وما تبعه من عقوبات “شاملة” و”قاسية” على طهران.

وتظهر خريطة الاحتجاجات وجغرافيتها، أنها لا تقتصر على مناطق محددة، وإنما انتشرت في معظم أنحاء البلاد، على الرغم من أنه لم يسمع عنها في محافظات مثل همدان في الشمال الغربي. كما أنها على عكس احتجاجات يناير 2018، فقد تركزت هذه المرة في المدن أكثر منها في الأرياف، من بينها مدن كبرى مثل طهران وتبريز وإصفهان وشيراز ومشهد.

وبحسب وكالة “إيسنا” الإصلاحية ومواقع إيرانية أخرى، شهدت نقاط متعددة في العاصمة طهران “تجمعات متفرقة”. كما تخلل الاحتجاجات توقف السيارات عن الحركة في شوارع وميادين عدة، ما أدى في بعضها إلى زحمة مرورية خانقة، استمرت في حالات لأكثر من 10 ساعات، مثلما حدث في الشارع السريع “الإمام علي” الذي يربط شمال العاصمة بجنوبها. واللافت في هذه الاحتجاجات أنه تخللتها عمليات تخريب “واسعة” للممتلكات العامة من بنوك ومؤسسات في الكثير من المدن.

إلى جانب ذلك، كانت مشاركة الطبقة الوسطى بارزة، بعد أن تأثّرت حياتها الاقتصادية والمعيشية كثيراً بالعقوبات الأميركية منذ أكثر من عام نصف العام، وتراجعت قوتها الشرائية بشكل كبير. كما كانت بارزة مشاركة العرقيات والقوميات الإيرانية كافة في الاحتجاجات، وهو ما يظهر من خلال أسماء المدن التي أشارت وكالات أنباء رسمية وشبه رسمية إلى أنها شهدت تظاهرات على مدى اليومين الماضيين، من بينها مدن تقطنها غالبية عربية أو كردية أو تركية أو فارسية أو تركمانية أو لورية. ويعود ذلك إلى طبيعة القرار الذي أشعل الاحتجاجات، كونه يمسّ حياة جميع الإيرانيين بغضّ النظر عن انتماءاتهم القومية والعرقية والسياسية. كما أنه في تطور لافت آخر، دخلت مرجعيات دينية بارزة في البلاد على الخط لتوجّه انتقادات حادة للسلطات لاتخاذها قرار رفع أسعار الوقود واعتباره “محزن ومؤسف”، داعيةً إلى وقف تنفيذه.

“ستكون طهران أكثر عزماً وإصراراً على إنهاء الاحتجاجات بشكل سريع، لشعورها بأنها باتت مستهدفة أكثر من أي وقت مضى”
ويبقى السؤال الأبرز يتمحور حول السيناريوهات المتوقعة وآفاق تلك الاحتجاجات. وهنا يمكن توقع ثلاثة سيناريوهات، أحدها يتمثل في استمرار الاحتجاجات على ضوء الإصرار الحكومي على تنفيذ خطة زيادة أسعار الوقود لفترة طويلة، بما يدخل البلاد في مرحلة صعبة للغاية، والسيناريو الثاني هو تراجع السلطات عن قرارها أو تعديله أمام ضغوط الاحتجاجات من أجل إنهائها، فيما يتمثّل السيناريو الثالث بتراجع الاحتجاجات مع مرور الوقت، واحتوائها أمنياً واقتصادياً، مع الإبقاء على تنفيذ خطة رفع أسعار الوقود.

وعلى الرغم من أنّ لكل سيناريو مقومات وعوامل مشجعة، ما يجعل كل منها مطروحاً، إلا أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو الثالث، أي احتواء الاحتجاجات أمنياً واقتصادياً. وتعزّز هذا السيناريو معطيات عدة، منها، أولاً أنّ الدولة لديها خبرة متراكمة في التعامل مع الاحتجاجات وإنهائها، إذ إنها شهدت خلال العقود الأربعة الماضية احتجاجات عدة، كان أبرزها ما أعقب الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2009 بعد نشوء “الحركة الخضراء”. وفي هذا التوقيت، الذي وصل فيه الصراع الإيراني الأميركي إلى مرحلة حساسة للغاية، ستكون طهران أكثر عزماً وإصراراً على إنهاء الاحتجاجات بشكل سريع، لشعورها بأنها باتت مستهدفة أكثر من أي وقت مضى.

ثانياً، فإن إعلان المرشد الإيراني علي خامنئي أمس، تأييده لقرار رفع أسعار الوقود يحسم الموضوع لصالح الإبقاء عليه، بحيث لا مفرّ من تنفيذ القرار وأنه لا تراجع في ذلك، وهو الأمر الذي يقلل جداً من حظوظ السيناريو الثاني. إذ على الأغلب سيعتبر النظام أنّ أي تراجع في هذا الصدد سيجعله أمام دوامة احتجاجات مستقبلاً، لا تنتهي إلا بعد تحقيق مطالبها، خصوصاً أنه يرى في ذلك تنازلاً أمام “مخربين” أو من يصفهم بـ”المتآمرين والمعارضين للنظام” في الداخل والخارج. كما أنّ تصريحات خامنئي بشأن أنّ القرار اتخذه النظام ككل وليس الحكومة وحدها، حسم الجدل السياسي الدائر بين تيار المحافظين والحكومة، بعد تحميل الأخيرة من قبل الأول مسؤولية رفع الأسعار وتداعياته.

ثالثاً، تظهر التصريحات الإيرانية أنّ السلطات لا تكتفي فقط بالمعالجة الأمنية لإنهاء الاحتجاجات التي ترمي اتهامات لجهات معارضة داخلياً وخارجياً باستغلالها لتصفية حسابات سياسية، بل إنها تحاول إلى جانب ذلك احتوائها اقتصادياً. وهذا ما برز منذ اليوم الأول من خلال التأكيد على أن عوائد ارتفاع سعر الوقود ستوزع بين 60 مليون إيرانياً ممن هم بحاجة لها. ولكن على ضوء اندلاع الاحتجاجات واتساعها، ستسرّع السلطات على الأرجح في البدء بدفع هذه العوائد للإيرانيين لمحاولة احتواء الموقف سريعاً.

وفي السياق، عقد البرلمان الإيراني، أمس الأحد، اجتماعاً مغلقاً لمناقشة زيادة أسعار الوقود وتداعياتها بحضور أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي شمخاني، وفقاً لرئيس البرلمان علي لاريجاني.

ونقلت وكالة “فارس” عن لاريجاني قوله في مستهل جلسة معلنة للبرلمان، أعقبت الجلسة المغلقة، إن البرلمانيين ناقشوا “من الثامنة صباحاً القضايا المطروحة هذه الأيام والدعم الحكومي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي قدم تقريراً عن الوضع الراهن”. ودعا لاريجاني الحكومة الإيرانية إلى الإسراع في إيداع عوائد ارتفاع أسعار الوقود في حسابات الأسر الإيرانية، مشيراً إلى أنّ “ما يقلق الناس هو أن يتسبب قرار رفع سعر الوقود بارتفاع الأسعار في بقية القطاعات”.

غير أنّ تحركات أخرى كانت تحصل على خط مواز داخل البرلمان، حيث عمد نواب، ومن بينهم النائب المحافظ مجتبى ذو النور، إلى جمع تواقيع لاستجواب لاريجاني وروحاني، فيما قدّم أحد البرلمانيين عن مدينة بوكان الكردية استقالته، وسرت أنباء عن اعتزام نائب آخر عن طهران الاستقالة كذلك.

“نواب يجمعون التواقيع لاستجواب رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية”
وكانت الخلافات السياسية تصاعدت في الساعات الأخيرة بين الحكومة وخصومها من المحافظين، لتوجّه وسائل إعلام محافظة ومحافظون في إيران انتقادات حادة للحكومة، محملين إياها مسؤولية زيادة أسعار الوقود وتداعياتها. إلا أن الأخيرة ووسائل الإعلام التابعة لها أو المقربة منها نفت ذلك، معتبرة أن القرار يعود للمجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي، المكون من رؤساء السلطات الثلاث ومسؤولين آخرين من هذه السلطات.

وأخيراً، وعلى الرغم من أنّ احتمال احتواء الاحتجاجات مع مرور الأيام، هو السيناريو المرجح في ظلّ المعطيات آنفة الذكر، لكن تبقى معالجة جذورها صعبة للغاية، إن لم تكن مستحيلة في الوقت الحاضر، بسبب اشتداد وطأة الضغوط الاقتصادية الأميركية مع استمرار العقوبات من جهة، وعدم وجود أفق لحل التوتر الراهن بين طهران وواشنطن بما ينهي تلك العقوبات من جهة أخرى. لتبقى فرص تجدد الاحتجاجات الاقتصادية قائمة مستقبلاً، خصوصا أنّ الاقتصاد الإيراني يعاني أيضاً من مشاكل بنيوية، من الصعب رفعها على ضوء الضغوط الخارجية.

العربي الجديد

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق