
سواليف
يختصر وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي المسافة، في التعبير عن برنامج التصعيد الذاتي لبلاده، وهو يعيد تأكيد أن الخيارات كلها مفتوحة بشأن القدس. هدف هذا التصريح تكتيكي بامتياز، لأنه أعقب معلومة في غاية الأهمية، تم تسريبها بعنوان: قمة على مستوى الزعماء بين السعودية والأردن يوم غدٍ الثلاثاء، لبحث البند اليتيم على جدول أعمال التصعيد الأردني، وهو قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
اللقاء الأردني السعودي على مستوى القمة، هنا، يمكن قراءته بأكثر من لغة، ومن عدة زوايا. ليس فقط لأن العزلة في الاتصالات التنسيقية بين البلدين كانت ملموسة وواضحة طوال الشهرين الماضين، اللذين رفع فيهما رئيس وزراء الأردن شعار الاعتماد على الذات، اقتصاديًا وماليًا بالتزامن مع نعي عهد المساعدات السعودية.
فالتلاقي الأردني السعودي، هنا، يتزامن ليس فقط مع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخطير الخاص بمدينة القدس، ولكن أيضاً، مع التباين الملموس لكل المراقبين بين هوامش التصعيد الدبلوماسي والشعبي الأردني، وما يمكن وصفه بالصمت السعودي، خصوصًا بعدما سرّب الرئيس محمود عباس للأردنيين مضمون حواره القصير ــ عندما استدعته الرياض ــ مع الأمير محمد بن سلمان الذي خاطب عباس استناداً لمصدر واثق الاطلاع قائلاً: «أغلق صفحة القدس وحق العودة واللاجئين واتجه لدولة في قطاع غزة وستهطل عليك الأموال».
تلك معلومة تبادلها علية القوم بين القاهرة وعمّان، وحتى في أبو ظبي. والرئيس عباس قبل وضع الأردن بالصورة أفلت من الموقف الحرج بعد المفاجأة بطلب بسيط أعاق خطاب بن سلمان عندما قال: «سمو الأمير.. أرسل لي خطاباً مكتوباً بالمضمون، حتى أضعه بين أيدي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وأحصل لكم على ما تريدون».
ليس سرًا أن هذا الحوار بين عباس والأمير بن سلمان أربك دوائر القرار الأردنية التي لم تكن بالصورة إطلاقاً، حتى قبل زيارة الملك عبد الله الثاني الأخيرة لتركيا، في اليوم ذاته الذي وقع فيه ترامب قراره المشؤوم.
نقلت مقترحات الأمير بن سلمان بوضوح حتى لنخب الشارع الأردني، الأمر الذي يبرر لاحقًا هتافات أبناء المخيمات وغيرهم من النشطاء الأردنيين في مواجهة مقر السفارة الأمريكية بالعاصمة الأردنية ضدَّ الأمير محمد بن سلمان، بعدما صنفت مقترحاته للسلطة الفلسطينية بأنها عدائية ومخيفة جدًا، وبعدما وافق المستوى الأردني على مثل هذا التصنيف. طوال الوقت كانت مؤشرات الهدوء السعودي العجيب مثار تساؤل بمواقع القرار والشارع في الأردن بعد إعلان الرئيس ترامب..
في الأثناء يبدو أن جهة أقوى من حكومة البلدين تدخلت لاحتواء أزمة حقيقية تدحرجت في الكواليس على خلفية هتافات الشارع الأردني المنتقدة للدور السعودي تجاه القدس وانتقادات وتهديدات السفير السعودي لنواب أردنيين، والجهة الوحيدة المؤهلة لهذا الدور هنا برأي سياسيين تحدثت معهم «القدس العربي» هي الولايات المتحدة نفسها، التي نشطت بدورها في محاولة لترقيع الأزمة التي تسببت بها وسط معسكرها العربي الحليف.
من هنا، يخدم اللقاء السعودي الأردني المنتظر سياسة الاحتواء لأي خلافات بين البلدين، مع تسجيل وتدوين الملحوظة التي تقول: إن الرياض تجاهلت الأردن طوال الأسابيع الماضية وبالتالي هتافات الشارع الأردني أعادت المعادلة إلى نصابها الطبيعي، فاضطر السعوديون إلى اللقاء والإصغاء والاجتماع وفي بعض التفسيرات للاحتواء، الأمر الذي يمكنه أن يعود بمكاسب من كل صنف للجانب الأردني، بعدما اكتشف أهل الرياض أن تجاهل الأردن والتنكر له شيء، والخصومة معه ومنازعته في ملف الحرم المقدسي ودوره في القدس شيء آخر تمامًا.
الاحتواء هنا، يفيض بمساحات، واحتمالات، وقد يصبح هذه المرة في اتجاهين بين الرياض وعمّان. لكن يمكن القول ببساطة إن اتجاهات الشارع الأردني في التصعيد ضد ترامب والصمت السعودي، خدمت موقع الحكومة الأردنية في البوصلة السعودية، وقد تدفع الرياض إلى إعادة التفاوض مع شريكها الأردني الذي تجاهلته أكثر من مرة، وفي أكثر من موقع، حتى وإن كان العنوان العريض لقمة الملِكَيْن عبد الله الثاني وسلمان بن عبد العزيز يوم غد الثلاثاء، هو البحث في أوراق القمة العربية الاستثنائية، التي ستعقد لاحقًا أو في تنشيط التنسيق لمرحلة ما بـعد قرار ترامـب في القـدس.
اللقاء في حد ذاته أصبح منجزًا الآن للأردنيين، بعدما تجاهلت الرياض مصالحهم لوقت أطول مما ينبغي، والاحتواء لعبة مزدوجة بين الجانبين، الآن، وفكرته المقاربة والمقايضة بين قرار الأردن الاستراتيجي العميق والملموس في البقاء بمستوى التصعيد الشعبي والدبلوماسي، في مقابل استراتيجية التهدئة والخضوع السعودية.
بسام البدارين – القدس العربي




