
يا دار …..
يا دارُ دارَ عليكَ إرهامُ الندى واهْتَزَّ رَوْضُكِ في الثَّرَى فترأدا طللٌ عكفتُ عليهِ أسألهُ إلى أَنْ كادَ يُصْبِحُ رَبْعُهُ لِيَ مَسْجِدا
وظللتُ أنشدهُ وانشدُ أهلهُ والحزنُ خدني ناشداً أو منشدا
سَقْياً لِمَعْهَدِكَ الَّذي لَو لَم يَكُنْ ما كان قلبي للصبابة ِ معهدا
لمْ يُعْطِ نَازِلَة َ الْهَوَى حَق الْهَوَى دَنِفٌ أَطَاف بهِ الْهَوَى فَتَجَلَّدا
صبٌّ تواعدتَ الهمومُ فؤادهُ إنْ أَنتمُ أَخلَفتُمُوهُ مَوْعِدَا
لمْ تنكرينَ معَ الفراقِ تبلدي وبَرَاعَة ُ الْمُشْتَاقِ أنْ يَتَبَلَّدَا
يا دار …..
تنتابني في هذه اللحظات وخزات من وجع قديم ، حاضر وتليد ، و يجول في خاطري ألف مشهد، يتمترس أبطاله على مسرح الذاكرة المكتظ منذ ساعات…
سويعات قليلة وألتحق بمدرستي الأم ، تلك التي أنجبتني من رحمها قبل أكثر من عقدين من الزمن ، أرضعتني ،ثم هدهدت طفولتي ، ولملمت بقايا صباي وشيئاً من شعث أيامي ، عركتني وعجنتني ، ثم أنضجت شيئاً من فكري وقدمتني إلى أفق كان متسعاً و حاضراً ، جعلتني طالبةًمن أميز طالباتها ووعداً من أكثر وعودها صدقاً ، وعنفواناً وطاقةً متفجرة تتعشق الحياة ….وترنو إلى تحقيق المستحيل.
مدرسة كفريوبا الثانوية ، المتربعة على ربوة خصبة ، تطالع سهول إربد ومنحنيات أوديتها ، وتلك الطرق المؤدية إليها .
سآتيك……
نعم….. ربما مغمضة العينين ، فقد لا أستطيع مقاومة سطوع حقائقك ، وأشعة أنوارك ، وبهاءك المدفون في أعمق بطين في القلب ، وأقصى تلافيف الذاكرة …
الذاكرة التي تقض مضحعي الآن بألف ذكرى ، وألف فكرة أغص فيها …كأنها سياط تعاتبني …وأدمعأً قديمة متحجرة في الحلق تزلزل وجداني …
سآتيك ..نعم ، وليتني اتسلل إليك من طريق لا أعرفه ، في عتمة لا أدركها… كيلا تقابلني وجوه أحبتي على طرقاتها ، بنفس تلك النظرة الطفولية الحالمة البريئة …التي لا تنفك تطاردني!!
سآتيك ، بالتأكيد ….وليتني أختفي وراء ظلال أشجارك العتيقة ، ووراء ظلالها تختفي تلك التوتة العملاقة ذات الأرجوحة التي أغرمت بها يوما ..وما زال غرامي بها هائلاً ممتداً ازلياً كأزلية حجارة بيوت كفريوبا العتيقة ، وياسمينها المعمر الممتد على سناسلها ، في حواريها القديمة ..
أحيانا كثيرة أتسلح بالشجاعة ، ولكنْ
ليت شعري من أين أحضر الشحاعة حين أدخل ممراتها ، فألمح وجوه الصبايا في الفسحة ، رفيقات الدرس وقد أصبحن أعمدة من أعمدتها ، وكيف سأستوعب لغة الزمان التي رسمت في وجوههن أعداد السنين التي مرت بنا ، وكيف لأذني أن تنكر ضحكاتنا وشغبنا ،وشقاوتنا التي ما زالت تعشش .. وتنشر افراخ الحب والسلوى في أرجاء المكان ، كيف لي أن أبقى معلمة متوازنة الخطى بعمر الأربعين.، فلا أعبث ولا أصعد الأدراج درجتين درجتين ، أرنٌ وضحكٌ ولعب ٌ ومباهاةٌ بالصبا والشباب ، وحين يقرع جرس العودة ….وأعود.أدراجي، هل لقدمي أن تنسى العودة الميمونة إلى بيتنا القريب البعيد ، أبي المنتظر لمتنا على الغداء ، ووالدة تبتهل إلى الله عودتنا سالمين ، لنبدا حكايات النهار وشغبا جديدا يجعل للحياة طعما لذيذا ومعنى لا تشبهه معاني الأرض كلها …..
إنها العودة إلى الحياة ، وجعها ولذتها معا ، الذكرى وعذابها وسلواها معا ، الجرح وترياقه ، الأمل وامتداده ، حقيقة البعث والنشور …..
البينُ جرعني نقيعَ الحنظلِ والبينُ أثكلني وإنْ لم أثكلِ
ما حسرتي أنْ كدتُ أقضي إنماحَسرَاتُ نَفْسي أنَّني لم أفْعلِ
نقلْ فؤدكَ حيثُ شئتَ من الهوى ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ
كمْ منزل في الأرضِ يألفه الفتى وحنينُه أبداً لأولِ منزلِ
الشعر المرافق ، لأبي تمام

