
(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)
انتشرت عقب #الزلزال المدمر الذي وقع في #تركيا و #سوريا عشرات وربما مئات الأفلام والفيديوهات والأخبار المفبركة والزائفة على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي بهدف حصد المزيد من الإعجاب لتحقيق مكاسب ماديّة… وهذه أقوال العلماء والأدباء والخطباء والشعراء والحكماء التي تحذّر من هذه الظاهرة الخطيرة التي لا تقلّ خطراً عن الزلازل والبراكين.
خصلة ذميمة، وعمل مشين، ينتشر في أوساط الناس، ويشيع في كثير من منتدياتهم ومجالسهم، ويكثر في علاقاتهم ومعاملاتهم، وقلَّ أنْ يسلم منه صغير أو كبير، والناس فيه ما بين مُقلٍّ ومستكثر إلاّ من رحم ربك وقليلٌ ما هم. ذلكم هو الكذب الذي يقول الله عنه، ويتوعد فاعله: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) [الجاثية:7]، قال الشيخ السعدي -رحمه الله- في تفسيره: أي: كذاب في مقاله، أثيم في فعاله. وأخبر أن له عذاباً أليماً، وأن (مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ) [الجاثية:10] تكفي في عقوبتهم البليغة.
فالكذب نقيض الصدق؛ وحقيقته: هي الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع، وليس الإخبار مقصورًا على القول، بل قد يكون بالفعل، كالإشارة باليد، أو هز الرأس، وقد يكون بالسكوت.
هناك فئة كبيرة من الناس في زماننا – خاصّة على وسائل التواصل الاجتماعي – ينشرون الإشاعات والأكاذيب والأباطيل والأراجيف – ويفبركون الفيديوهات والأخبار الزائفة لكسب المزيد من المتابعين للحصول على مكاسب ماديّة بوسائل غير شرعيّة… أمرهم غريب لا يفرّقون بين الحلال والحرام … يصدق عليهم قول الحق سبحانه ((وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)) … إِنَّهم يعتاشُونَ على الكذِب ويُؤَسِّسون مشاريعهُم وتجارتهُم عليهِ، إِن كان على مُستوى المال والاقتصاد أَو على مُستوى الإِعلام أَو على مُستوى التَّعليم أَو على أَيِّ مُستوىً آخر. وهُم المُستعجلُونَ في كسبِ [الأَرباح الماديّة] على حسابِ المُجتمعِ وقِيَمهِ وثوابتهِ واستقرارهِ ونجاحهِ ومُستقبلِ أَجيالهِ، على اعتبارِ أَنَّ الكَذِب هوَ أَقصر الطُّرُق وأَسرعها للوصُولِ إِلى [المَكسبِ المادي السريع] ولكنَّهُ في نفسِ الوقتِ هو أَشدُّها وأَقساها عُرضةً للفضيحةِ ولدَمارِ صاحبهِ في الدنيا والآخرة. ولذلكَ ترى أَنَّ فضائِح الكذَّابين مُجلجِلة تهزُّ كِيانهُم وسُمعتهُم ومكانتهم في المُجتمعِ. إِنَّ صعودَ المرءِ بالكذِبِ سريعٌ جدّاً إِلَّا أَنَّ هبُوطهُ وسقُوطهُ كذلكَ سريعٌ جدّاً ومُدوِّي.
فقد يكونُ ظاهِر الكَذِب أَمراً يبدو حسناً يُحقِّقُ مكسباً [مادِّيّاً] سريعاً مثلاً أَو أَنَّهُ يُساهم في تخديرِ الناس وتضليلهِم ليُحقِّق الكذَّاب مآربهِ، إِلَّا أَنَّ عاقبتهُ سيِّئة وخيمة مهما طالَ الزَّمن، في الدُّنيا قبلَ الآخرة.
ولذلكَ يلزَم أَن يحذرَ الإِنسان فلا يخدعُ نفسهُ بظاهرِ الأَعمالِ دونَ عواقبِها، فإِنَّ مِن أَسوءِ الخِداع هو خِداع الذَّات عندما يُزيِّن المرءُ لنفسهِ الأَعمال السيِّئة وكأَنَّها حَسَنة {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ} {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ} لأَنَّهُ في هذهِ الحالةِ سوفَ لا يجدُ مُبرِّراً لنفسهِ لمُكافحةِ الخطأ والانحراف على اعتبارِ أَنَّهُ بالأَساسِ لا يرى في عملهِ سُوءاً ليُكافِحهُ أَو يُصلِحهُ.
طبعاً، هذا قبلَ أَن يصِلَ إِلى مرحلةِ الاستدراج لكَثرةِ ما يكذِب {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} فعندها تكون النتيجة: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوا وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ}.
وإِنَّ أَبسط اختبار ذاتي يُبصِّرنا حقيقة العمل وما إِذا كانَ صحيحاً بالفعلِ أَو أَنَّهُ خِداعٌ وسَرابٌ {يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً} هو عرضهِ على الآيةِ الكريمةِ {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وقولهِ تعالى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}. وأحسن العمل أخلصه وأصوبه فإذا كان خالصاً لوجه الله تعالى، ولم يكن صوابا لم يُقْبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لوجه الله لم يُقْبًل.
فكُلُّ عملٍ تشكُّ في أَنَّهُ قد يكونُ مِصداقاً للآيتَينِ كالكذِبِ مثلاً فتأَكَّد بأَنَّهُ خِداعٌ ينبغي التوقُّف عندهُ ومُكافحة آثارهِ وهو بَعْدُ في بِداياتهِ.
وهُنا نحتاج إِلى أَن ننتبِهَ إِلى أَمرَينِ في غايةِ الأَهميَّةِ:
الأَوَّل هو أَنَّ من الآثار الخطيرة المُترتِّبة على الكذِب هو التردُّد والشَّك وعدم القُدرة للوصُولِ إِلى مرحلةِ الثَّبات واليقين في كُلِّ شيءٍ، فيما يُعَد اليقين أَو السَّعي إِليهِ إحدى أَدوات المعرِفة التي يصلُ إِليها المرءُ بالتَّفكُّر، وعكسها [اللَّاأَدريَّة] {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}.
أَمَّا الصِّدق فهوَ حجر الزَّاوية في بناءِ اليقينِ والثَّبات والاستقرار في التَّفكيرِ والاستنتاج {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}.
الثَّاني؛ يلزمنا دائماً الانتباه حتَّى لا نُساهم في مشاريعِ الكذَّابين بالتَّأييدِ والتَّصديقِ، وهذهِ واحدةٌ من أَخطر أَدوات الكذَّاب في المُجتمع، فهو يعتمِد على تصديقِ الرَّأي العام بهِ، فكُلَّما صدَّقهُ النَّاس كُلَّما تقدَّم خُطوةً بمشرُوعهِ والعكس هو الصَّحيح إِلى أَن يحصلَ على حالةِ التَّصديقِ بهِ للدَّرجةِ التي تصفها الآية الكرِيمة {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} كيف؟! يقولُ تعالى {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا}. ولذلكَ حذَّرنا القُرآن الكريم من تصديقِ الكذَّاب، لأَنَّ تصديقهُ نَوعٌ من الانخداع بمشارِيعهِ التي ينصبَها كفِخاخٍ للسذَّج وشِباكٍ يصطادَ بِها المُغفَّلين.
ولا شك أن الكذب مذموم، وصفة ذميمة؛ فهو من خصال النفاق، كما قال الله عنهم: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [المنافقون:1]، وذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- من صفاتهم: ” آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلَفَ، وإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ. ” (رواه البخاري ومسلم).
والكذب من أسباب رد القول، ونزع الثقة من الكاذب، والنظر إليه بعين الخيانة؛ والكذب دليل ضَعَة النفس، وحقارة الشأن؛ وخبث الطوية. والكذاب مهين النفس، بعيد عن عزتها المحمودة؛ والكذاب يقلب الحقائق؛ فيدني البعيد، ويبعد القريب، ويُقبِّح الحسن، ويُحَسِّنُ القبيح.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-، في قوله تعالى: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) [البقرة:42]، أي: لا تخلطوا الصدق بالكذب. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-، محذرًا من الكذب: “وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا” (رواه البخاري ومسلم). “والكذب جماع كل شر، وأصل كل ذمٍّ؛ لسوء عاقبته، وخبث نتائجه؛ لأنه ينتج النميمةَ، والنميمةُ تنتج البغضاءَ، والبغضاءُ تؤول إلى العداوة، وليس مع العداوة أمن ولا راحة؛ ولذلك قيل: من قلَّ صدقُه قلَّ صديقُه”.
ومن مظاهر الكذب المنتشرة بين الناس:
- الكذب على الله وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ كحال من يفتي بغير علم، ويقول على الله ورسوله الكذب، فَيَضِل، ويُضِل، ويَهْلِك، ويُهلكِ. قال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) [النحل:116]. وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ” (رواه البخاري ومسلم).
- الكذب في البيع والشراء؛ كحال من ينفق سلعته بالأيمان الكاذبة، ومن يغش المشتري بجودة بضاعته. فما أكثر ما يقع هذا بين الناس، مع عظم خطورته وشدة الوعيد فيه.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: “الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ”. ووفي رواية: “ممحقة لِلبَرَكَةِ” (رواه أحمد، قال أحمد شاكر: إسناده صحيح)؛ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: “وَمَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا” (رواه مسلم).
- الكذب لإفساد ذات البين؛ فبعض الناس -عياذًا بالله- لا يهدأ له بال، ولا يقرّ له قرار، حتى يفسد ذات البين، ويفرِّق شمل المتحابين، فتراه يختلق الأقاويل، وينسج الأباطيل تلو الأباطيل؛ ليفسد بذلك ذات البين، ويحل محلها القطيعة والبين. فهذا العمل بلية عظيمة، ورزية جسيمة؛ فكم تقطعت لأجله من صلات وأرحام، وكم تَفَصَّمَتْ من روابط.
- الكذب لإضحاك السامعين وتشويقهم؛ فتجد من يكذب في مجامع الناس ومجالسهم؛ حتى يُصَدَّر في المجلس، ولأجل أن يستظرفه الناس، ويستطرفوا حديثه، ويستعذبوه؛ فتراه يأتي بالغرائب، ويغرب في العجائب، ويسوق ما لا يخطر ببال؛ قال النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: “وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِبُ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ” (رواه أبو داود، والترمذي وحسنه).
- الكذب للمفاخرة في إظهار الفضل؛ فتجد من يكذب، ليفاخر أقرانه، ويظهر فضله عليهم، فتراه يدَّعي العلم، ويظهر الفضل، ويتشدق بكثرة الأعمال والإحسان إلى الناس، وهو عاطل من ذلك كله؛ فلا فضل لديه، ولا علم عنده، ولا إحسان يصدر منه، وإنما يكذب في ذلك كله.
- الكذب على المخالفين، تشفِّياً منهم ونكايةً بهم؛ فهناك من إذا خالفه أحد، أو كان بينه وبين أحد عداوة، بدأ يبحث عمّا يشفي غليله من هذا المخالف أو المعادي، فتراه يكذب عليه، ويلصق التهم به، ويغري به عند أصحاب المناصب وأرباب الولايات؛ رغبة في إلحاق الأذى بهذا المخالف أو المعادي.
- الكذب المقرون بالحسد؛ فهناك من إذا رأى أحدًا من الناس متفوقاً في العلم، أو مترقياً في الفضائل، أو غير ذلك، يحسده على ذلك، فيقلل من شأنه، ويرميه بكل نقيصة، ويتهمه بما ليس فيه؛ حتى يصرف الناس عنه، ويشككهم في إخلاصه وصدقه وجدارته.
- الكذب في المطالبات والخصومات؛ فقلَّ من يصدق حال المطالبات أو الخصومات، وهذا ما يشاهد مرارًا وتكرارًا عند الخصومات في المحاكم وغيرها، وعند حوادث السيارات، فقلّ أنْ تجد من ينصف من نفسه، ويقر بخطئه، بل تجد من يكذب؛ كي لا يكون الحق عليه، فيتحمل تبعته. وقد عده النبي -صلى الله عليه وسلم- من الكبائر: “أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟”، وذكر منها: “أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ” (رواه البخاري ومسلم).
- الكذب للتخلص من المواقف المحرجة؛ كمن يكذب على والديه، أو مدرسيه، أو مسئوليه؛ خوفاً من العقاب أو العتاب.
- والمبالغة في القول من مظاهر الكذب؛ كمن يبالغ في تصوير حدث أو قضية مبالغة تجعل السامع يفهم منه أكثر من الحقيقة؛ أو حذف ما لا يروق له من الكلام لأجل أن يصل إلى غاية تهواها نفسه.
- والكذب لتسويغ الأخطاء؛ فهذا يكذب ليسوغ بخله، وهذا يكذب ليسوغ قسوته، وهذا يكذب ليسوغ تقصيره أو إساءته، وهكذا…
- نقل الأخبار الكاذبة؛ من بعض الإعلاميين وغيرهم، مع علمه بكذبها؛ فمن كان هذا دأبه فهو كاذب، ومشارك للكذاب في الإثم.
- الكذب على الأولاد؛ فكثيرًا ما يكذب الوالدان على أولادهما الصغار؛ رغبةً في التخلص منهم، أو تخويفاً لهم؛ كي يكفُّوا عن العبث واللعب، أو حفزًا لهم كي يجِدّوا في أمر ما، أو غير ذلك.
هذه بعض المظاهر الشائعة في الكذب.
وإن مما يؤسف عليه في هذه الأزمان المتأخرة كثرةَ الكذب، وقلةَ الصدق؛ فما أقلَّ من يصدق في حديثه، وعلاقاته، ومعاملاته. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود:18].
ومن أسباب الوقوع في الكذب: الخوف من النقد، والخوف من العقاب أو العتاب، وإيثار المصلحة العاجلة، وقلة مراقبة الله والخوفِ منه، واعتياد الكذب وإلفه، والبيئة والمجتمع، وسوء التربية وغيرها.
ولا شك أن الكذب محرم وكبيرة من كبائر الذنوب إلا ما ورد الدليل بجوازه للمصلحة؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا”، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: “وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ، مِمَّا يَقُولُ: النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا” (رواه البخاري ومسلم). ومما انتشر بين الناس وهو من الأخطاء الشائعة في الكذب: الكذب الأبيض والأسود؛ فيظن بعض الناس أن هناك كذباً أبيض وهو حلال، وكذباً أسود وهو حرام، وليس الأمر كذلك، فالكذب كله حرام.
إن الكاذب الذي ينشر كذبه عقوبته شديدة في الآخرة؛ وهذا كثير جدّاً في وسائل التقنية الحديثة، فبضغطة زر، ينتشر هذا الخبر الكاذب إلى الآلاف من الناس، ووزره عليك؛ ورد في حديث سمرة -رضي الله عنه- في الرؤيا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ، فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، قَالَ: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى”، وقال في آخره: “وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ” (رواه البخاري).
قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: “لأن يضعني الصدق – وقلَّما يضع- أحبُّ إليَّ من أن يرفعني الكذب، وقلَّما يفعل”. وقال الشاعر:
لا يكذبُ المرءُ إِلاّ من مهانتِه أو عادةِ السوءِ أو من قلةِ الأدبِ
لَبعضُ جيفةِ كلبٍ خيرُ رائحةٍ من كذبةِ المرءِ في جدٍّ وفي لعبِ
فلنتق الله ولنجانب الكذب ونبتعد عن الكاذبين؛ ولنتحل بالصدق ونعاشر الصادقين، فإن الصدق منجاة؛ فالثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر، صدقوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكان عاقبة صدقهم خيراً لهم وتوبة عليهم، ولهذا قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:119]، فاصدقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله وتنجوا من المهالك.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، يا ذا الجلال والإكرام.





