
في المخبز
أحمد المثاني
.. بعد أن أخفت الغيوم بياض شمس الظهيرة ، و تهيأت السماء لإرواء الأرض بمائها ، بعد أن أضناها و شققها عطشاً فصل قائظ
فجأة ، تنهمر الأمطار كالحبال النازلة من السماء .. يتفرق جموع الناس .. بين راكض و متّقٍ البلل
بعد أن تحولت الطرقات إلى روافد
مائية ، و ملأ الجو رائحة التراب المنتشي بالمطر .. إنّه يوم تشريني
يعلن بدء الشتاء الذي انتظره الناس و أعلنت فيه العصافير فرحتها .. فراحت تطير في عنان السماء .. تغتسل بحبات المطر .. مستبشرة بموسم خير .. و هي تتأهب لبناء
أعشاشها .. لم تخشَ طيور السنونو
خطوط البرق التي تشق السماء ..
و يتبعها هدير الرعد ..
في المخبز الحجري ، حيث يواجه الخبّاز أبو محمود .. بيت النار الذي
يدس فيه العجين بعد أن يستدير الرغيف بين يديه ..كما لو أنه دائرة تتسع في بركة ماء ..ثم تخرج أرغفة الخبز و قد تعمّدت بالنار .. و احمرّ وجهها .. برائحة ، دونها رائحة العطر .. إنها رائحة الخبز أو العيش الذي يلخّص قصة العطاء ، مثلما هو يلخّص قصة الشقاء ..
.. ازدحم المخبز بطالبي الخبز ..
و كانوا قد احتموا من المطر المنهمر كأفواه القرب ،،
رأيتهم و تأملت في وجوههم المتعبة .. ما بين عامل مُجهَد و
موظف يحافظ على هندامه ..
شيوخ و أطفال .. و بعض من النساء .. كلهم يصوّب نظره نحو
بيت النار .. ليرى كيف يستحيل
العجين بخفة و مهارة الخبّاز إلى
رغيف .. بمثل استدارة القمر ..
إنّها نعمة الله التي نجلّها ،، و هي قصة الحقل و الزرع و أنشودة الحصاد .. إنّها حكاية قمحنا و خبزنا .. الذي يستحق القداسة
و شكر المنعم ..
