
في سجن الجويدة (٥)
الدخول إلى الخارج
( اننا نخشى الموت لأننا لم نواجهه من قبل):.
حسب توقيت الأسى، الساعة الآن هي رأس التاسعة مساء،
تقف السيارة التي تحمل الزنزانة في ساحة سجن الجويدة ، الزنزانة كانت تغلي من فرط ارتفاع الحرارة ، ما أن فُتح الباب وداهمتني نسمة الهواء حتى شعرت بقشعريرة منعشة،
فك الشرطي القيد ، وطلب منا أن ندخل إلى بوابة غريبة لا أعرفها، ولما كنت ارتدي بذلة رسمية بربطة عنق جميلة ، قذفني شرطي آخر بسخريته المفجعة ، قال( لابس بذلة كمان تعال جاي …تعال.) ثم ضحك ..
كان يجلس على كرسي مهترىء ، وهو يتصفح حسابه على الفيس بوك ، كنت أتساءل هل كان يتابع حكايات نسوان حارتنا على الفيس بوك ، ربما كان يذرف دمعة ثم يلحقها بابتسامة،
فلا يدري أيهما الأجدر به ؟!
طلب مني أن اخلع ملابسي ، وقام بتفتيشي، ثم طلب أن اجلس على مقعد خاص عرفت فيما بعد أن يكشف الأدوات الحادة في داخل الجسم،
وكنت أتساءل فيما إذا كان قد كشف امر أمعائي الخاوية أو شاهد كل تلك الاحلام المهشمة في رأسي؟!.
بصيغة آمرة لا تخلو من العنف ، طلب منا أن نرتدي ملابسنا من جديد ، ولكن هذه المرة دحشت ربطة العنق في جيبي على أمل أن لا استفز مشاعر شرطي آخر.
مرة أخرى ادخل من باب جديد يفضي إلى باب حديدي آخر عبر زقاق طويل ، ثم باب آخر وآخر …وكأنها متاهه فئران المختبرات ،
جميع الأشياء هنا متشابهه حد التطابق ، حتى رجال الأمن، جميعهم يتحدثون معك بذات الطريقة البائسة ، فيما كنا ننصاع لاوامرهم بذات البرود.
في نهاية الممر الضيق يبتلعني باب آخر ، هي غرفة واسعة فيها عدد من المكاتب وأجهزة الكمبيوتر ، الأمر هنا يشبه موظفي الدولة ، يتناقلون الورق والنزلاء بفائض من القرف.
اقف أمام شرطي آخر يجلس أمام جهاز حاسوب ، طلب مني أن اعطية جميع البطاقات في محفظتي، هوية شخصية ، رخصة سياقة ، رخصة سيارة، بطاقة الصراف الآلي، ثم بطاقة عضوية رابطة الكتاب الاردنيين ، نظر فيها مليا ، ثم سائلني: شو قضيتك؟
قلت : جرائم الكترونية.
كنت أظن أن الأمر سيبدو أفضل ولكن ليس هناك شيء أفضل مما نحن فيه ، على الأقل في هذه اللحظات.
قاموا بتصويري عدة مرات ثم أخذوا بصمات أصابعي المرتجفة،
وانا الذي يخاف من المجهول …
دخلت خمسة أو ستة أبواب، جميعها تسير بك إلى العمق
حتى نسيت طريق العودة إلى صفحة السماء.
باب آخر يليه كرادور طويل ، اسير فيه بكامل ضعفي، اجد نفسي في طابور طويل ، جميعهم يتكؤون على جدار الغرفة من فرط التعب ، وانا كنت واحد منهم.
في رأس الطابور يقف شرطي آخر ، عند نهايات خانات اسمنتية يصطف فيها النزلاء كل حسب دورة ، حتى وصلت إليها،
فعلت كما فعل الجميع ، خلعت ملابسي من جديد وحملتها بيدي، حتى وصلت الخانة الأخيرة، طلب مني الشرطي أن اخلع ما تبقى من ملابسي الداخلية ، كان هذا الرجل هو الثاني الذي يكشف عورتي ، أما المرة الأولى فقد كانت لأمي حين كانت تعتني بي وانا طفل رضيع.
ارتديت ملابسي الداخلية ، فيما تركت البذلة والقميص والحذاء في كيس ، وسلمتها لشخص آخر ، كتب اسمي بخط فاحش جدا على ورقة والصقها على الكيس ثم قذف به فوق كومة من الأكياس التي سبقته إلى غرفة بالية.
الدخول مرة أخرى من ممر ضيق ، يتوقف المساجين هنا أمام باب مغلق، تتكدس اجسادنا في الزوايا كما هي احلامنا تماما كما هي تلك الأكياس التي ضمت ملابسنا.
اننا متشابهون حد التطابق، ليس هناك فرق سوى بعض الكروش المترهلة، وألوان ملابسنا الداخلية.
ما الذي يخفيه ذلك الباب الحديدي الذي نقف امامه، وما حاجتنا بالأوراق النقدية التي احكمنا قبصتنا عليها ونحن اشباه عراة.
فتح الباب ، ، تزاحمت الاجساد عند الدخول ، عبثا احاول استطلاع الأمر ، المكان مظلم ولا شيء يشي بالفرج ، ،،
آثرت الانتظار لحين كشف سر الباب الجديد ،
جاء دوري ، ، ، ابتلعني زقاق جديد في منتصفة نافذة زجاجية ، عرفت انها دكان السجن، اشتريت بنطال رياضي و فانيلا سوداء ، ،
في حقيقة الأمر الشخص الواقف خلف الزجاج هو من تولى الأمر بنفسه ، فقد اختار اللون والمقاس دون أن يستشيرني.
وانت قبلت بذلك وشكرته من قلبي.
حملت اغراضي وتابعت طريقي حتى وصلت لنهاية الزقاق الذي قذفني إلى ساحة سماوية محاطة بالجدران التي تعتليها الإسلاك الشائكة…
اقف الآن في طابور طويل ، وانا استذكر كل الطوابير التي وقفت فيها في حياتي ، طوابير عيادات الاختصاص في المستشفى ، طوابير شباك المحاسبة ، طوابير الصيدلية ،
ولكن الأمر هنا يشبه طابور طلبة المدارس فيما كان الشرطي يشبه المعلم المناوب الذي يلقي بتعليماته على الطلبة بحزم وشدة..
ابتسمت واوشكت على الضحك ، قبل ذلك راجعت كل ما أعرفه عن قوانين السجون.
في حقيقة الأمر خفت أن اضحك كي لا يقوم الشرطي بمصادرة ضحكتي بحجة قانون الجرائم الالكترونية…
ابتسمت من جديد وأشحت بوجهي إلى ما وراء الأسلاك الشائكة ….
يتبع…..

