
لعلهم يعقلون
كان عنترة ابناً لجارية سوداء، ورفض أبوه شداد أن يلحقه بنسبه، ولما كان فارسا شجاعا، فقد كانت قبيلته (عبس ) يعتبرونه عبسيا حين البأس، وفي السلم يعيدونه عبدا، وفي إحدى المعارك استصرخوه فلم يهب للقتال، فسألوه: لم تقاعست؟، فقال قولته التي ذهبت مثلا: ” العبد لا يحسن الكر والفر”.
ربما لو لم يكن “ترامب” مطمئنا الى أن حكام العرب جميعا ملك يمينه وطوع أمره، ما كان ليجرؤ على توقيع مرسوم الطابو بالجولان للكيان اللقيط، ولو كان يعلم أن أحدا سيتمعر وجهه غضبا من فعلته بنقل سفارته الى القدس ما كان فعلها.
ولماذا لا يفعل ما يحلو له فما الذي سيخشاه؟
أغضبة عربية مضرية؟ ..فهذه لا تكون إلا لنفوس حرة عزيزة..لا تقبل الضيم ولا تطيق الذل.
أم لوما وتأنيبا ممن يدّعون أنه حليفهم الوثيق، وفي أقطارهم متسع لقواعده العسكرية تسرح وتمرح أنى شاءت، وفي مياههم ترسو بوارجه وحاملات طائراته معززة مكرّمة!
هل سيستوقفه علاقة صداقة وود مع هؤلاء الزعماء..وهذا لا يكون إلا بين أنداد.
أم سيقلقه مصالح له ستتعطل أم تجارة له معهم ستبور..العكس حصل فقد انهالت عليه عشرات المليارات الخليجية.
لذا سيمد رجليه ويتمطى آمنا مطمئنا.
ظل هؤلا ء الحكام ومعهم طبقة المتفيهقين بالثقافة الغربية العلمانية، طوال القرن الماضي يحاربون الإسلام ومن يدعون له، وحجتهم أن فيه تخلفنا، وفي تركه واللحاق بالغرب فلاحنا.
تركهم الناس لما قالوا، وصبروا عليهم مائة عام، وانتظروا الدبس من ورائهم، فما طالوه، بل أضاعوا بتفريطهم من الأض أكثر مما سلبه المستعمرون تاريخيا، وأسقطوا كل مهابة للأمة في عيون أعدائها كانت قائمة قبلهم، كما نهبوا من خيراتها أكثر مما نهبه الغزاة الأوروبيون، وجعلوها أكثر فقرا رغم أن ثرواتها تكفي لجعلها أكثر تقدما من أوروبا.
يقولون لنا: “ليس بيدنا حيلة، فكل الأوراق بيد أمريكا، فهي تفعل بنا ما تشاء، ولا تحسب لنا أي حساب”.
كذبوا والله، فما جعل الأمور كذلك هو استخذاءهم، وما ركبتهم إلا أن أحنوا ظهورهم لها.
ترى ما الذي جعل قادة الكيان اللقيط يشيدون بجهود السلطة الفلسطينية، ويقولون “إن التنسيق الأمني قدم نفعا لنا أكثر مما كنا نحلم به”؟.
من الذي كشف موقع الشهيد البطل “عمر أبوليلى” للعدو غير أجهزة عباس الأمنية؟
ما ضرهم – لو كان لديهم حب لفلسطين – وليس للدولارات القذرة، أن يحموه أو يتكتموا على مخبئه أو تهريبه الى قطاع غزة، وعندها يخلون مسؤوليتهم عن إخفائه.
لكنه الإنبطاح المهين وطلب الرضا من العدو حتى تبقى لهم الإمتيازات الرخيصة.
قبل يومين كان ثمة موقف شجاع للنظام الأردني، فقد ألغى الملك زيارة مقررة الى رومانيا كانت للمشاركة في اجتماعات (مكافحة الإرهاب)، بسبب قرار نقل السفارة الرومانية الى القدس.
لقد أثلج هذا الموقف صدور كل أبناء الأمة، لأنه عبر ولأول مرة عن الإنتصار لكرامتها المستباحة.
ورغم أنه لا شك سيغضب الإدارة الصهيو أمريكية، لكنه لن يلحق بالأردن ذلك الضرر الذي يخوفنا منه المنبطحون المرتعدون، فلن تتخلى أمريكا عن دور الأردن الهام في حماية الكيان اللقيط، وحتى لو أغلق السفارة وألغى اتفاقية الغاز.
قصارى ما يمكن أن تفعله هو التوقف عن دعم الدينار الأردني وضرب الإقتصاد، وهذا لن يحدث إلا إذا اتخذت الدولة الموقف الذي يطالب به كل مواطن أردني، وهو قطع أية علاقة مع الكيان اللقيط، استنادا الى قرارات الأمم المتحدة بأن القدس (جميعها) تعتبر أرضا محتلة عام 1948 وقانونيا هي تحت السيادة الأردنية (باعتبارها الخلف القانوني للدولة العثمانية).
ذلك ليس أحلام يقظة، بل يمكن للأردن أن يضطلع به إن عوضه شيوخ العرب عن دعم أمريكا، وبجزء يسير، كأن يقتطعوا من أعطياتهم لأمريكا 10 % فقط ، فيتخذوا لأول مرة في تاريخهم قرارا ينتصرون فيه للقدس، ويبدأ ذلك بقرار جريء غير مكلف في قمتهم المقبلة في تونس، بقطع العلاقات مع أية دولة تنقل سفارتها الى القدس، وأنهم يعتبرون القدس أرضا عربية استنادا الى قرار التقسيم.
لا أمل في حدوث ذلك إلا أن تحرر العبيد.. وعندها فقط سيحسنوا الكر والفر.
