
كوستر
صعدنا الحافلة سوية، أخذنا أماكننا اخترنا الجلسة المريحة، كنا كثر لكننا نعرف بعضنا نحفظ تفاصيلنا وتعرفنا هذه الحافلة فنحن أبناءها كبرنا على مقاعدها واحتضنا ستائرها ،في الحقيقة لم تكن حافلتنا تحتوى على تكييف كما هي حافلات الخليج ولم يكن السائق متفهم كسائقي حافلات أوروبا وأمريكا ، لكن كان تكييفنا هو قدرتنا على التكيف مع كل شاق وراحتنا تكمن في رضانا وقناعتنا التي تجاوزت كل حد عرفه بشر
أما السائق فقد اتخذناه كما الآلهة القديمة قدمنا له القرابين ليحمينا وأبنائنا، كانت حافلتنا جميلة بهية إلا من بعض المنغصات كالـ(كونترول) الفاسد المتسلط وكل من سبقوه في مهنته القذرة،فهذه المهنة لن يملأ شاغرها إلا طالب من مدرسة واحدة درس عند شيخ واحد، لكننا كنا نقبل ونقول لعل القادم أفضل
وعلى حين غرة أعلمنا السائق أن حافلة زميله المتجهة الى العراق اصطدمت بجدار الواقع ويجب أن نحمل ركابها معنا فلم نرفض، بل على العكس اندفعت نخوتنا فأجلسنا كبيرهم مكان صغيرنا وبناتهم مكان شبابنا ،وأما الكونترول فكان لا يمل من دفعنا نحو الإلتصاق ببعضنا لتتسع حافلتنا للأخوة الجدد ،فهم دفعوا الأجرة مبالغ مضاعفة
وما أن اعتدنا على الأمر، حتى أبلغنا الكونترول أن الحافلة المتوجهة الى دمشق احترقت بسبب خلاف بين سائقها روسي الملامح و(كونترولها) امريكي الأصل ،ويجب أن نحمل معنا من زال حيا من ركابها، فلم نرفض وقلنا أهلا وسهلا وفعلنا فعلتنا الأولى وقلنا لهم إن لم تسعكم مقاعدنا وسعتكم قلوبنا وحجورنا ،وعاد الكونترول يدفع بنا نحو بعضنا فهذه المرة الاخوة الجدد لم يدفعوا أجرتهم لكن صرح الكونترول أن أجرتهم تكفلت بها هيئة الحافلات المتحدة ممثلة برئيسها (قل قان مون) الذي دائما ما أبلغ السائق قلقه إزاء هذه التطورات في حالة النقل العام
وبعد ساعات ضاقت بنا الحافلة وازدادت الكراسي المهترئة ولم يعد بعضها قادرا على حملنا ولا حمل إخواننا الجدد، امتلأت الحافلة على آخرها بدأنا نختنق ،فلا أحد يرغب بالنزول ولا أحد يعرف وجهة أخرى فسرنا حتى بلغ الصبر مبلغه، ولم يجرؤ السائق على الاعتراض فهو يخشى أن توقف هيئة الحافلات المتحدة دعم المحروقات الذي يجعل هذه الحافلة تستمر بالمسير ،لكننا نبطء السرعة الآن،وأُخبرنا أن الأجرة سترتفع وإن اعترضنا فهناك من هو مستعد لدفع الأجرة وأخذ مقاعدنا،فما الحل؟
امتلأت مقاعدنا الأولى بركاب الحافلة المتوجهة إلى دمشق وامتلأ (اللوج) بالمتوجهين إلى بغداد ونحن..أخلوا لنا الممر.
إن المؤلم في حافلتنا ذلك الصمت الذي أطبق على رقابنا،لم نعد نغضب لم نعد نصرخ ألماً رغم أن الجرح صار أكبر وأعمق، ربما السبب أننا جالسنا أشقاءنا الركاب الجدد رأينا إبن بغداد المجد يرثي حال بلاده وابن دمشق الحضارة يلعن بلاده ومن بقي فيها..اه لقد نسيت أننا نتكلم عن حافلاتهم لا بلدانهم.
إن أوقفنا الحافلة فلن تقلنا أخرى غيرها وإن استمرينا بالمسير فلن تستطيع التحمل فوجع الجدد تكاتف مع وجعنا وكاد يصل منا الوريد فما العمل؟



