وزيرة و”آيفون”

مقال الأحد 30-10-2016
النص الأصلي
وزيرة و”آيفون”
تدهشني صور بعض المعلّمات اللاتي يقفن في طريق العودة من مدارسهن أمام البسطات لشراء “البُكل” و”أقلام التلوين” و”الأساور” و”الطبع الورقية” من جيوبهن الخاصة لأوائل الصف كنوع من التشجيع..وأسأل نفسي ما الذي يجبر معلمة في مدرسة خاصة لا يزيد راتبها عن 80 ديناراً أن تدفع مع جيبها هذه القروش القليلة لتكافئ المميزين من طلابها…لأجد الجواب قريباً وقريباً جداً..باختصار انه الانتماء وحب الرسالة…
**
في الوقت الذي تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي صورة حاكم طوكيو وهو ينحني أمام الشعب الياباني لحظة تقديم استقالته كنوع من الاعتذار والأسف لسوء استخدامه المال العام..تناقلت نفس وسائل التواصل الاجتماعي صورة كتاب رسمي من إحدى الوزارات في حكومتنا إلى إحدى شركات الاتصالات تطلب فيه جهاز “آيفون6” حديث للوزيرة الحديثة بالإضافة إلى “خط” برقم مميز،وتعهّدت الوزارة في الكتاب أن التسديد سيكون فقط بعد أسبوع واحد من إصدار الفاتورة حسب الأصول . وكما جرت العادة عند أي تجاوز حكومي، فأن المعلقين وأصحاب الصفحات لم يقصّروا من تصوير الكتاب ونشره من باب التعاون على البرّ..لا سيما بعد أن أُحبطوا تماماً من الموشّح الحكومي اليومي الذي يتحدّث عن ضبط النفقات..
**
من الناحية القانونية أو العرف الحكومي – ربما – يحق للوزير أن يقتني هاتفاً على حساب الدولة – أنا غير خبير بالأعراف الحكومية- لذا، لا اعتقد أن الوزيرة قد تجاوزت القانون كما لا يعتبر (الآيفون 6 ) فساداً والله اعلم.. فمن أجهز على “سدر منسف” ،لن يتثاقل من تناول “حبة رز” علقت بين الأصابع، بالمناسبة معظم المسؤولين في بلدنا يقومون بفعل أضعاف ما قامت به الوزيرة دون أدنى شعور بالذنب أو تأنيب للضمير ، لا بل قد يجدون لاستخدامهم المال العام مبررات تريحهم وتدافع عن وجهة نظرهم تحت مسميات الحق المكتسب والاستخدام للمصلحة العامة وهذا مصروف من الدولة وغيرها ..
لكن من الناحية النفسية البحتة ، الخطوة مؤذية وتكرّس مبدأ “الكسبة” الذي يمارسه بعض المسؤولين ويحاول أن ينتف أي شيء من جلد هذا الوطن ولو كان بحجم “شريحة” تلفون..الستمائة دينار ثمن الجهاز حتماً لن تفلس الموازنة ، كما لن تسدد قروضنا لو تم توفيرها، ولن تسكت صندوق النقد الدولي..لكنها على الأقل تشعرنا أن المسؤول “قنوع” ولا يقاصص وطنه على جهاز خلوي و”رقم مميز” يباع في المعارض بدينارين في غير وقت العروض..لا ادري ماذا كانت تستخدم الوزيرة قبل دخولها “التشكيل” و هل كانت قبل الوزارة لا تستخدم “الموبايل” البتة..طيب كيف كانت تقضي مصالحها كل ذلك الوقت من غير “الآيفون 6” إذن؟… المسألة يا كرام ليست مسألة “جهاز” أو هدر مال عام ..المسألة تتعدّى ذلك بكثير إنها محكّ “للقناعة”، و”غنى النفس”..وكم أستطيع أن أكون كريما مع وطني..وأدفع من حسابي لحسابه، أو كم من الممكن أن اعتبر المنصب مغنم وان أقف للوطن على ركبة ونص أحاسبه “على القرّيطة” هذا لك وهذا لي..وإذا وصلنا إلى هذا الحدّ فذلك يعني أن على الانتماء السلام..
سامحوني..لكن إلى الآن لم نوفق بنموذج “خوسيه موخيكا” بطبعته الأردنية ، إلى الآن..لم نوفق بشخص يعطينا نموذجاً يجعلنا نزرع في عراه بذور الأمل..بأن محبي الوطن أكثر من منتفعيه…وان علاقتنا بهذه الأرض انتماء وليست انتفاعا…

أحمد حسن الزعبي
ahmedalzoubi@hotmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى