طملية وأبو ترابة / يوسف غيشان

طملية وأبو ترابة
هذا ملخص لما قدمته في مهرجان احتفالي في ذكرى وفاة محمد طمليه العاشرة انعقد الخميس الماضي في قرية ابو ترابة..حيث ولد: منذ شرع محمد طملية في التأسيس الكتابة الأردنية الساخرة، من خلال المقالة الصحفية في جريدة الدستور نهايات عام 1983 وأبو ترابة ترافق طمليه في كل أحواله.
لم يقدم محمد طمليه اضافات للكتابة الاردنية الساخرة، بل قام بتأسيس تلك الكتابة الاردنية الساخرة، اذ منذ زاويته (شاهد عيان) في الدستور عام1983 ظهر مصطلح ساخر،وحمله طمليه على ظهره وحيدا –كما حمل سيزيف الصخرة، بينما النسور تنهش كبده،عقابا له على تحدي الألهة وتعليمه البشر سر النار- حتى بداية التسعينيات، لحين ظهور كتاب ساخرين من تحت عباءة طمليه..كنت انا احدهم.
طمليه ابتكر اسلوبا عبقريا في التلاعب بالكلمات والجمل، وافتراع التعابير العذراء وخلق علاقات بين الكلمات لم تكن قد ولدت بعد. لذلك لم يستطع اي منا – نحن الساخرين المحدثين- تقليده او الاقتراب منه فنيا.
كان حلم طمليه الدائم وهاجسه المقلق، كان أن يكتب رواية تضعه في مصاف كتاب الرواية في العالم. وكان يقول، كما تعلمون، بأن السرطان هو مجرد سكرتير شخصي قام بتعيينه ليذكره كل صباح بواجبه ازاء مشروعه الأدبي. لم يكتب طمليه روايته، ربما اقترف الكثير من الفقرات والأسطر التي كان ينوي أن يضعها في متن النص، لكنه لم يرض عن اي حرف منها، كان يريد شيئا أكثر وأعمق وأكثر دهشة.
وكان ينبغي أن يموت طمليه لندرك، أن روايته الحقة كانت سيرة محمد طمليه نفسه، وأن حياته ومماته، وما بينهما من دهشة وقلق وسأم وتراجيوكوميديا، وما فيها من بؤس وثراء وشجاعة وجبن وخجل ووقاحة انهزام وتحد،عشق وخيانة….. هي رواية طمليه التي لم يكتبها،لأنه كان يبحث عن روايته في الخارج بينما كانت تقبع في الداخل –داخله- على أهبة السطوع والتحول من لحم ودم وعرق….. الى ورق.
ربما كان يدرك جوهر روايته، لكنه لم يكتبها لأنه كان قصير النفس.
كان مبدعا في القصة القصيرة، مقالته مفرطة في القصر، حياته قصيرة، قامته البيولوجية قصيرة، عشقه قصير المدى، حقده قصير المدى، فرحه قصير المدى، سأمه قصير المدى، ندمه قصير المدى، كلامه قصير، صمته قصير، ضحكته قصيرة، يتخلص من ربقة راتبه في اقصر وقت ممكن، لكن كل هذا القصر أنجب قامة عملاقة، دائمة الإخضرار….وأطول منا جميعا…اسمها محمد عبدالله طمليه…اول الساخرين وآخر من يموت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى