وراء الحدث

وراء الحدث

د. هاشم غرايبه
طوال الشهر المنصرم، وعند سماع صافرات الانذار، لم يعد الفضول والحماس يحرك الأردنيين للخروج لرؤية الصواريخ الإيرانية وهي متجهة الى الكيان اللقيط، إذ ساد بدلا منه الشعور بالمراراة والحسرة، لأن ذلك يعني أن هنالك في الأجواء الأردنية طائرات أمريكية وربما اسراخيلية تتصدى لهذه الصواريخ لحماية الكيان اللقيط منها، والمؤلم لو صح أن من بينها طائرات أردنية، والتي بدلا من حماية وطنها، تحاول اسقاطها على رؤوس مواطنيه، لكنها بحمد الله قلما تنجح، خاصة بعد سقوط الحجة بأنها تفعل ذلك حماية للأردن، فحماية الأردن تكون بتركها تذهب برعاية الله الى مبتغاها، فقد ثبت أن الصواريخ الإيرانية لا تخطئ هدفها، بل تصيب الموقع المستهدف بدقة بالغة، ولم يسقط أي منها عشوائيا إلا ان يجري إسقاطها قبل وصولها، اذ يبدو أن هنالك تحكما دقيقا في مساره بواسطة الأقمار الصناعية ووسائل التحكم الفضائية المتقدمة، ولم تعد كالصواريخ القديمة تعتمد على نظام التوجيه البدائي عن طريق زاوية الإطلاق.
من ضمن ما سقط من مقولات واظب الإعلام المضلل على ترسيخها، أنه لا راد لقضاء العدو الصهيو – صليبي إن أراد أمرا، فالأفضل الرضوخ والانصياع، لكن الصمود الإيراني أثبت العكس، فلمواجهة الصلف والاستكبار لهذا الحلف الشيطاني، ينبغي الرد بما “استطعتم من قوة”، مهما كانت هذه القوة بعيدة عن معادلة الردع العسكري، لأن هنالك إله فوق كل قوة يسمع ويرى، وهو من يتكفل بتعديل الموازين، ونصرة عباده المؤمنين مهما كانوا مستضعفين، ودليلا على ذلك، شاهد العالم كم كانت الاصابات في طرف الكيان اللقيط والقواعد الأمريكية في المنطقة فعالة ومؤثرة “وما رميت اذ رميت”، ورغم حظر تصويرها ونقلها، فما تم تسريبه منها كاف ليظهر حجم الدمار الذي يلحقه كل صاروخ بتلك المنشآت.
وهكذا يرى المؤمنون مرة أخرى، وفي هذا العصر كما في كل العصور الماضية، أن السر في نصر الأمة ونجاتها من كيد أعدائها الممتد عبر التاريخ، يكمن في كل مرة في اتباع ما أنزله الله، وبالطبع ليس في اتباع منهج أعدائه، فقد أوصى الله عباده المؤمنين بإعداد القوة المتوفرة، وإن لم تكن مكافئة، فهي وحدها الكفيلة بإرهاب أعدائهم ومنعهم من العدوان عليهم، وليس قطعا بمعاهدات الموالاة والتحالف، ولا في اقامة علاقات التطبيع مع العدو طمعا في كف أذاهم، فلا يفل الحديد إلا الحديد.
من ضمن ما ثبت خلال الفترة الماضية، سقوط حجة الأنظمة العربية التي كانت تدعي أن التحالف مع الولايات المتحدة ومنحها القواعد العسكرية على أراضيها هو لحمايتها، فقد تبين أن تلك القواعد هي ما جلب الوبال إليها، وان الدفاعات الجوية التي دفعت فيها أثمانا غالية لم تكن تدافع عن منشآت البلد بل عن القواعد، وتصديها للصواريخ والمسيرات الايرانية كان يحرفها فتسقط على المنشآت المدنية، فتلحق بها الأضرار التي لم تكن لتطالها فيما لو تركت الصواريخ لتصل الى هدفها العسكري.
التطور الأخطر هو ما حدث اليوم باستهداف منشآت حقل الغاز الايراني، فهو يثبت فشل العدوان في تحقيق أي من أهدافه، لأنه يعني افلاس القوة بفرض مبتغاها، فاللجوء الى ضرب المرافق المدنية كالبوك ومحطة تحلية المياه يعتبر مقامرة خطيرة، والتصعيد بضرب المنشآت النفطية الإيرانية، سيستجلب ردا انتقاميا يلحق ضررا جسيما بالمنشآت الخليجية، مما يثبت عدم اهتمام التحالف الشيطاني بمصالح دول الخليج، وقطعا سينالها الضرر الأكبر، وسيتأثر أمن الطاقة العالمي، وستزيد من الصعوبات الاقتصادية التي تتهدد الاقتصاد العالمي.
لذلك رأينا الدول الخليجية وباقي الدول العالمية تسارع للتحذيرمن هذا التصرف الأرعن، والذي يعتبر هروبا الى الأمام من المأزق العميق الذي أوقع فيه ترامب العالم جراء حماقته وانسياقه خلف اللوبي الصهيوني، لكنه ما حقق من ورائه مجدا شخصيا، ولا لبلاده نفعا.
ولما أن الاقتصاد العالمي المأزوم أصلا لن يتحمل ذلك، لذلك فالأيام القليلة القادمة ستشهد وقفا للعدوان الذي يعني هزيمة استراتيحية للحلف الشيطاني، وبصورة أعمق من هزيمته أمام صمود الغزيين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى