
واليمين على من أنكر
في بداية القرن الماضي كانت الزراعات المحلية محدودة جدا ومن أشهرها زراعة التبغ الذي كانت زراعته مجدية في تلك الأيام ، وبعد اكتمال نضجه يتم قطف وجمع أوراقه وتجفيفها لتباع للمستهلكين ، أما عملية التجفيف فكانت تتم بأن تفرد أوراق التبغ الخضراء في مكان فسيح آمن حتى تسلم من العبث والسرقة ،وغالبا ما كان أصحابها يجففونها على أسطح منازلهم خوفا عليها من اللصوص على اعتبار ان اللص أو الحرامي لن يجرؤ على تسلق جدار المنزل والوصول إلى السطح في أيام الصيف خصوصا وأن أهل القرى والأرياف عادة ما ينامون أمام منازلهم التي يكون معظمها مكشوفة على بعضها .
نأتي لبطل الحكاية (شلهوب) وهو كما يقول الناس عطال بطال ، لكنه رغم ذلك يعيش في أفضل حال ؛يلبس أفخر الملابس ويأكل أطيب المأكولات وكان يرتدي البرنيطة لتغطي صلعته ، في كل موسم كان شلهوب يشتري القليل من محاصيل التبغ ليتاجر بها ويخبر الجميع بأنه ربح كثيرا حين باعها ،وفي كل موسم كان بعض المزارعين يفقدون الكثير من تبغهم لكنهم كانوا يخجلون من البوح بهذا الأمر فيما بينهم خوفاً من العار من ان يقال “فلان انحاف بجوا بيته” أي أن بيت فلان انسرق وهو داخل بيته وخاف من التصدي للحرامي.
كثر الهمس في القرية من أن هناك لصوصا يسرقون محاصيل التبغ من على أسطح المنازل ،وكانت الشكوك تدور حول (شلهوب) فاتهموه بالسرقة ولجأوا إلى أحد قضاة العشائر وفي مجلس القاضي أدلوا ببينتهم ،وجاء دور (شلهوب) فتقدم وبكل ثقة أنكر التهمة فما كان من القاضي إلا أن ألزمه بحلف اليمين ،وبلا تردد وبكل ثقة حلف اليمين بأنه لم يعتل لأي منهم جداراً ولم يطأ لأي منهم سطحاً ولم يكمش (يقبض) بيده تبغاً !!! وهنا برأ القاضي المتهم شلهوب من السرقة.
لم يقتنع أهل القرية ببراءة شلهوب وصدق يمينه ، وضعوه تحت المراقبة فضاق الحال بشلهوب ولم يدر ما العمل ؟! ، فاضطر أخيرا أن يسر لأقرب الناس إليه بآلية السرقة شريطة أن يكون له حصة من بيع التبغ المسروق فقبل الآخر المهمة وقام بالسرقة بدلا من شلهوب ،بعد سرقات عدة قام أهل القرية بتحليف الأخير اليمين بعد أن دارت حوله الشكوك فحلف كما حلف شلهوب من قبله ،وهكذا كلما اتهموا أحدا قام بحلف يمين شلهوب.
وفي ذات ليلة تم القبض على أحدهما متلبساَ بالسرقة ؛ وجدوه جالساً خلف أحد البيوت وقد بسط على الأرض قطعة من الخيش وفي يده حرثون مربوط بخيط يرميه على سطح البيت ويطلق له الخيط حتى يتوغل في كومة التبغ ثم يسحبه وعند سحبه يتشبث الحرثون بأرجله بالتبغ حتى ينهال التبغ المجفف من على السطح ويسقط على قطعة الخيش في الأسفل ، كان يعيد العملية أكثر من مرة حتى يملأ قطعة الخيش بالتبغ .
مقارنة السرقات التي تتم في زمننا هذا بتلك الأيام نلاحظ بأن السرقة وادواتها كانت بسيطة ولسد رمق الجوع “تبغ ،سمن ،خروف ،جميد ،ديك حبش” وغالبا ما كان يتم معرفة السارق واسترجاع بعض المسروقات ،أما اليوم فاللصوص يجولون قرانا وبوادينا ومدننا وطرقنا وحاراتنا ، يبيعون ويشترون بنا وبرزقنا وبكرامتنا ،ومسروقاتهم ما تطاله أياديهم “أموال نقدية ،صفقات تجارية ،نهب المؤسسات والوزارات،مشاريع وهمية،عمولات ورشاوي ،جنسيات،قاذورات مستوردة ،شعارات وطنية للبيع ،منجزات خرافية للدعاية والإعلام….الخ”. لكن الفرق بين الزمنين هو أن اللص في تلك الأيام الماضية كان مجبرا على حلف اليمين أمام الشعب لإثبات براءته ، أما اليوم فقد تغير الحال وأصبح حلف اليمين مطلوبا من المتهم (نحن الشعب) أن نحلف الأيمان بان هؤلاء اللصوص هم اهل للوطنية والانتماء والامانة والنزاهة والإبداع ولولاهم لضاعت البلاد وتاه العباد !!!