
تحت الضوء
تكشف قضية اعتقال بريطانيا للأسترالي الأصل “جوليان أسانج” مؤسس “ويكيليكس”، عن حقيقة ادعاء الغرب الكاذب باحترامه حقوق الإنسان والتزامه بقيم الديمقراطية وحرية الرأي.
في عام 2006 ذاع صيت “أسانج” وتصدّر ما ينشره على موقع ويكيليكس عناوين الصحف في أنحاء العالم، حيث تمكن من اختراق مراسلات السفارات الأمريكية مع وزارة الخارجية، وبدأ بنشر ما تحتويه من الوثائق والصور، والتي تكشف خفايا كثير من الأمورالمتعلقة بالأنظمة العميلة المرتبطة بالمخابرات الأمريكية والأوروبية، لكن كل ذلك لم يثر حفيظة أمريكا، مثلما شكّله الخبر الذي انفرد به وتناقلته صحافة العالم أجمع، في نيسان عام 2010 حينما نشر لقطات تظهر جنودا أمريكيين يقتلون بالرصاص 18 مدنيا من مروحية في العراق.
لذلك سعت الى القبض عليه ومحاكمته بتهمة إذاعة أسرار الدولة، ولما كان يقيم في بريطانيا التي لا تجيز قوانينها اعتقاله بهذه التهمة، فقد تم اللجوء الى الطريقة المخابراتية العتيقة وهي البحث في تاريخه، فوجدوا في السويد علاقات له غرامية قديمة، وتمكنوا من تدبير تهمة تحرش جنسي، فطلبت السويد من بريطانيا في عام 2012تسليمه إليها، تمهيدا لتسليمه لأمريكا.
كان بإمكانه اللجوء الى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، لكنه لم يطمئن لقدرتها على تحقيق العدالة، فلجأ الى سفارة الإكوادور وطلب اللجوء السياسي، وحاول رئيس الإكوادور” رافائيل كوريا “بداية التوسط بين المملكة المتحدة والسويد لضمان محاكمة عادلة لأسانج، لكن الحكومة البريطانية رفضت، بل وهددت أنها يمكن أن تداهم السفارة، مما أثار حفيظة الرئيس الإكوادوري، فمنح اللجوء السياسي لجوليان أسانج، ثم قررت حكومته منحه الجنسية الإكواورية لكي يمكنها نقله خارج السفارة، ومع ذلك بقي خطر تنفيذ التهديد البريطاني الأمريكي بخطفه عند خروجه قائما، فدول الإستكبار لا تقيم وزنا للأعراف الدولية ويمكنها تنفيذ الأعمال الإرهابية باختطافه، من غير أن يحاسبها أحد.
لذلك بقي “أسانج” في السفارة طوال سبع سنوات، مفضلا أن يسجن نفسه اختياريا على أن يخضع لعدالة الغرب الظالمة، ورغم ذلك فلم يتركه الشيطان في حاله، وعندما تغير الرئيس الإكوادوري، استمرت الضغوط الإمبريالية على الجديد “مورينو” بحرمانه من قرض البنك الدولي، فرضخ ورفع عنه الحصانة وسحب الجنسة منه، فقامت بريطانيا باعتقاله فورأ.
تكشف هذه القضية عن كثير من الحقائق، التي ظل النظام العالمي القبيح يُجمِّل بها الواقع تعمية عنه، وتزويرا للحقيقة ومنها:
1- أضعفت مصداقية المبهورين بالغرب، من بني جلدتنا، الذين يتبرعون دوما للتبشير بحضارته وإنجازاته، ليس محبة في التبعية له، بل لتبخيس قدر حضارتنا كونها مرتبطة بالإسلام وليس بالنزعة القومية.
2- كشفت الزيف والخداع الذي يمارسه منظرو الليبرالية، بإعطاء صورة زاهية للتفوق العسكري الغربي والذي ولّد تفوقا في كل المجالات على الأمم الأخرى، وهذه الصورة القشيبة هي قناع إنساني حضاري، يبدو لغير المدقق أنه أصيل ناجم عن كون الحضارة الغربية إنسانية تحمل قيما راقية، لكننا واقعا لا نجد لدى الغرب أية قيمة تتفوق على قيم الرأسمالية الشرسة، وعند أي امتحان يرمون البرقع الجميل فينكشف ما هو مخفي تحته من قيم الأنانية الوحشية والطمع الجشع، وتظهر المخالب القاسية التي كانت تخفيها قفازات ناعمة.
3- لقد تبين أن الشرعية الدولية لا يمكن أن يكفلها تحالف القوى الكبرى، وغير صحيح أن تباين مصالحهم تضمن توازنات تحقق العدالة، فقد ثبت أن مصالحهم قد تلتقي عند تقاسم ثروات الفقراء، وثبت ذلك عندما رأينا اتفاق هذه القوى ( من يتمتعون بحق النقض في مجلس الأمن) عندما كان المستهدف الأمة الإسلامية، فتشكل تحالف دولي شامل عند ثلاثة محطات مفصلية في تاريخ الظلم الدولي : حرب الخليج الثانية ، واحتلال العراق والحرب على الإرهاب.
فيما حدث التناقض والإستقطاب في كل الحروب التي جرت في باقي مناطق العالم.
4 – ليس صحيحا أن القوى الغربية هي حامية حقوق الإنسان وحارسة الديمقراطية، فسرعان ما ترمي الدولة منها كل ذلك وراء ظهرها عندما تتهدد مصالح القوة الخفية المتحكمة في سياستها من وراء ستار النظام الديمقراطي، فتكشر عن أنيابها انتصارا لمصلحتها، وغير آبهة بشيء.
هي تتحمس لتلك الأمور عندما لا تنال من مصالحها، أو تستخدمها ذريعة للتسلط على الآخرين، عندها تصبح تلك القيم أبقارا مقدسة لا يجوز المس بها.
