
هذيانُ الخريفِ
هبه عمران طوالبه
تسعونَ خريفاً سقطت عن شجرةِ العمر، وما زلتُ واقفاً في تلك المنطقة الرمادية، حيث يختلطُ النحيبُ بالنشيد. في مدينتي، ثمة قانونٌ غريب للجاذبية؛ فالأحلامُ تسقطُ دائماً إلى الأسفل، ليلتقطها #الجوعى من أزقةِ #النسيان، بينما تصعدُ الفقاعاتُ الفارغةُ إلى الأعلى، لتسكنَ بروجاً مشيدةً من ورقِ الوهم.
رأيتُ ” #العدل ” يسيرُ في الجنازةِ الأخيرة، متكئاً على عكازٍ من خشبٍ نخرَه السوس، بينما كان “الزيفُ” يرتدي بدلةً فاخرة، ويوزعُ الابتساماتِ من خلف مكاتبَ لا تصلها الشمس. واأسفاهُ على جيلٍ وُلد بقلوبٍ عتيقة، جيلٍ قايضَ فضاءَ العلمِ برصيفِ الانتظار، فدُفن الكبرياءُ حياً في مقابرِ الظروف، وصار البحثُ عن “الذات” بحثاً في ركامِ ما تركه العابرون.
كيف يسألني العابرون عن الانتماء، والبوصلةُ تشيرُ دائماً إلى جراحِ الرصيف؟ لقد شبعتِ الكراسي من أجسادِ الساكنين، وجاعت الأرضُ لجباهِ الصادقين. الطريقُ أمامنا ليس إلا مرآةً مهشمة، تعكسُ وجوهاً لا نعرفها، وأصواتاً تبيعُ الريحَ للمراكبِ الغارقة.
أضعُ قلمي الآن، فالحبرُ صار ثقيلاً كأنه الرصاص، والليلُ يزحفُ نحوي ببرودته المعهودة. أغمضُ عيني على مشهدٍ لا يكتمل.. هناك، خلف الأفق المحترق، يلوحُ شيءٌ لا يشبهنا، ربما هو الصدى، أو ربما هو بقايا حلمٍ قررَ ألا يستيقظَ أبداً.




