نهضة أمي

#نهضة_أمي

#شبلي_العجارمة

لا أعرف أي بكرةٍ من بكرات الذاكرة التي أعادتني لتلك النهضة ،أو المصفط بلهجة أهل الجنوب ، أو #مطوى_الفراش ، ربما لأنها المربعانية البريئة التي أحاطتها الخرافات والأساطير والحكايات الغريبة، نهضة أمي كانت تحمل وجهًا واحدًا للحقيقة ،وعشرات الأسرار المخفية ، تلك اللحف الصوفية المكسوة بقماش الساتان البراق اللامع ذو الألوان المختلفة، و #فرشات_الصوف التي تحمل خطيئة الخراف والأمهات والأكباش معًا ، في نهضة أمي (( الحولي بسعر أمه )) ، يتساوى صوف الكبش والنعجة والحملان ، كانت تزين واجهة نهضتها بستارة بيضاء ، شرشف يقال له: الشرشف الكويتي، في ذات النهضة كنت أقرأ البيروقراطية و الأرستقراطية بكل وضوح ، كانت هنالك لحف من النخب المتوسط ، وهو الصوف الحولي الذي تلبد من كثرة النوم والاستخدام ، وهنالك لحف من النخب الأخير ؛ مجرد بطانيات وقطع من القماش السميك تم جمعها على شاكلة طبقات وقد أحكمت أمي وجاراتها خيطها البلاستيكي الغليظ .
كانت تلك اللحف المبتذلة لي ولإخوتي بالذات في الصيف ، لكن الفرشات السميكة العالية من الصوف المنفوش ،كنت لا أراها إلا إذا حل أخوالي وخالتي الوحيدة وجدتي وأبنائهم بالذات في العطلة الصيفية ،عندما يهربون من رتابة المدينة إلى هدوء قريتنا ، كنت أرى تلك النهضة تنتشر في كل أروقة البيت ، لدرجة أنني أستغل فترة تأخير طيها فوق المطوى الخشبي ، فأشتم رائحة نعجتنا الدعما والدرعا ، وذلك الكبش الأسود الذي لم يعد ينتج الخراف ، كنت أتفقد دفء اللحف وأستنشق عبق الحقول التي كنت أساند والدي في رعية ذلك القطيع في كل تضاريسها ،وأتساءل في حيرتي ودهشتي : لماذا كل هذا الفراش الوثير يتنعم به ضيوفنا ،ونحن نشتم رائحته وننظر إليه بحسراتٍ متقطعة ،كنت أتخيل صوت الخراف التي تم جزها في أول صيف

حين كان ضيق ذات اليد يمس جيب أبي ، كانت أمي تتحسس أطراف نهضتها ، كانت تصف لنا موقع صرة الدنانير بطريقة أدق من جوجل ماب ، كثيرًا كانت تتساقط أنصاف الدنانير الورقية البنية والدنانير الخضراء حين تحتفي أمي بقدوم أهلها وأقاربها ، كانت نهضة ذات طابع خاص وبرستيج متفرد ، كانت تتفنن في طيه ، تخفي اللحف العتيقة وذات الاستخدام اليومي لنا خلف المطوى الذي يحفل كل يوم بشكل ونموذج جديدين وهي تضع خطًا من الفرشات وزنار من اللحف لتكسر الشكل واللون وتعطي انطباعًا للجارات ونساء الأعمام أن نهضتها في تطورٍ وتجديد وتنجيد مستمر .
لكن ذاك المطوى الكهل الذي صنعه أبو فريد نجار المطاوي من الخشب العتيق، أصابه الوهن ، كنت أسمع زقزقات خشبه وهو يتمايل بشكلٍ بسيط، فقد كانت أمي تحدث وتطور نهضتها من صوف القطيع كل عام وفي كل موسم لقص الصوف ، إلا أن كل محاولاتها مع أبي لتغيير المطوى ذو الست أرجل أو حتى عمل صيانة بسيطة قد باءت بالفشل ، بحجة أن الناس ترى ما على المطوى لكن عيوب المطوى تخفيه قطعة قماش مزركشة بالرسومات ، لكن صوت المطوى وزقزقته قد تحولت إلى أصوات تصدع في الخشب ، طقطقات كنا نسمع أصواتها لكن من الصعب تحديد أماكنها، وكأنه أنين مريض خافت يمضي نحو أجله صابرًا محتسبًا.
كل أعذار والدي لم تقنع ذالك المطوى ذات صباح أن نجده قد انهار كل ما فوقه على جسد أخي الصغير لولا لطف الله أنه سقط ونحن حوله ،فقمنا بالتنقيب عنه بين أكوام نهضتنا التي تبعثرت بكل هيبتها وأناقتها وألوانها ؛لأن مطوى أبو فريد بلغ من الكبر عتيًا ، ووصل إلى حد أن كل صرخاته البائسة نجحت في اختراق أسماعنا لكنها لم تصل لقناعة سيد البيت أنه لكل نهضة مطوى ،ولكل مطوى خشبي عمر افتراضي لا تتعلق بالمسامير التي تحاول ربط أشلائه وتقنعها بالبقاء .
قبل يومين ذهبت أتحسس رائحة أمي وأبي في غرفتنا التي شهدت كل تفاصيل حياتنا ، فتحسست الجدار الذي كان يسند نهضة أمي ، وتلمست شمعة البيت الإسمنتية التي كثيراً ما كانت تقف عائقًا في وجه حرية نهضة أمي وأن تتخذ شكلًا هندسيًا أكثر دقة ، حتى أنني حاولت تفقد أرضية الغرفة التي كانت تنحدر جهة الشمال البارد ، لكن نهضة أمي كانت تتكئ على خشبتي سحارة خضار تفاحية كي تفرض توازنًا فيزيائيًا مقنعًا.
لا زلت أحتفظ بفرشة صوف ولحاف ووسادة من نهضة أمي التي تشبه أمي في غيابها ، ربما أنني أريد أن أسند رأسي على بقايا من نهضة وريحة أمي ، أو ربما أنني أريد نهضة لأحلامي التي بعثرها الواقع ، فنهضة الأحلام ليست أقل رونقًا من نهضة الواقع ، بل إن نهضة الأحلام هي أقل تكلفة ومجانية الأعراض الجانبية ، يكفي أنني أنام ولا أفكر في زقزقة مطوى نهضة أمي ولا حتى بالعم فريد أبو المطاوي .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى