
“نداءات روح: قراءة نقدية تكاملية في البنية الوجدانية والتشكيل النصي”
للكاتبة المهندسة نداء شرادقة
بَيْنَ بِحارِ الوَهْمِ وَشاطِئِ الحَقيقَةِ، تَسيرُ حَياتُنا مُعْلِنَةً ميلادًا جَديدًا لَها، مِن رَحِمِ الأَوْجاعِ، وَثِقْلِ الخَيْباتِ، وَمَرارَةِ الخُذْلانِ—لا سِيَّما حينَ يَأْتي مِنَ القَريبِ قَبْلَ البَعيدِ. هُناكَ، حَيْثُ تَنْغَرِسُ نُدوبُ الانْكِسارِ في صَفْحَةِ القَلْبِ، لا يَكونُ الشِّفاءُ مُمْكِنًا إِلّا عَبْرَ البَوْحِ، وَلا يَكونُ الدَّواءُ إِلّا بِالكَلِماتِ؛ تِلْكَ الَّتي تُداوي العَوَرَ، وَتُصْلِحُ الخَلَلَ، وَتُواري العِلَلَ.
فَلا شَيْءَ أَنْجَعُ مِنْ مُواجَهَةِ الذّاتِ لِذاتها، وَالوُقوفِ أَمامَ الحَقيقَةِ عارِيَةً مِنَ الزَّيْفِ وَالمُجامَلَةِ. عِنْدَ هذِهِ اللَّحْظَةِ وَحْدَها تَبْدَأُ أَرْواحُنا بِالتَّعافِي، بَلْ تَتَحَرَّرُ، وَتُحَلِّقُ فَوْقَ جَحيمٍ كانَ يَوْمًا لا يُطاقُ، نَحْوَ جَنّاتٍ مِنَ السَّلامِ مَعَ الذّاتِ، وَتَقْديرِها كَما يَنْبَغي لَها أَنْ تَكونَ.
في هذَا الأُفُقِ، يَنْهَضُ عُنْوانُ «نِداءاتُ رُوحٍ» بِوَصْفِهِ عَتَبَةً نَصِّيَّةً ناضِجَةً، عَلى الرَّغْمِ مِن شُيوعِ بِنْيَتِهِ في الأَدَبِ العَرَبِيِّ. غَيْرَ أَنَّ تَعَدُّدِيَّةَ «النِّداءاتِ» تَمْنَحُهُ بُعْدًا دَلالِيًّا أَعْمَقَ؛ إِذْ لا يَكْفي نِداءٌ واحِدٌ لِشِفاءِ الرُّوحِ، بَلْ تَحْتاجُ إِلى نِداءاتٍ مُتَعاقِبَةٍ، تَتَرَدَّدُ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ داخِلِيٍّ: مِنَ الرُّوحِ، وَالنَّفْسِ، وَالعَقْلِ، وَالوَجَعِ الجاثِمِ عَلَيْها.
وَلَعَلَّ تَنْكيرَ كَلِمَةِ «رُوحٍ» يُسْهِمُ في تَوْسيعِ أُفُقِ الدَّلالَةِ، إِذْ يَنْقُلُ العُنْوانَ مِنَ الإِحالَةِ إِلى ذاتٍ بِعَيْنِها إِلى فَضاءٍ رَمْزِيٍّ مَفْتوحٍ، يَحْتَمِلُ التَّعَدُّدَ وَالتَّأْويلَ، فَتَغْدو هذِهِ «الرُّوحُ» صَوْتًا جامِعًا يَنْطِقُ باسْمِ كُلِّ رُوحٍ مَوْجوعَةٍ.
الكِتابَةُ هُنا لَيْسَتْ تَرَفًا، بَلْ فِعْلُ تَعافٍ. فَالكَلِماتُ تَنْبَثِقُ مِنْ أَعْماقِ صاحِبِها، كَأَنَّها تُولَدُ قَسْرًا، لَكِنَّها ما تَلْبَثُ أَنْ تُرَبِّتَ عَلَى كَتِفِهِ، مُعْلِنَةً ميلادًا جَديدًا، أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلى خَوْضِ التَّجارِبِ، وَأَشَدَّ صَلابَةً في مُواجَهَةِ الحَياةِ.
يَنْتَمي النَّصُّ إِلى النَّثْرِ التَّأَمُّلِيِّ الذّاتِيِّ، وَيَتَقاطَعُ مَعَ قَصيدَةِ النَّثْرِ، مِنْ حَيْثُ انْفِتاحُهُ عَلى الانْزِياحِ، وَغَلَبَةُ البُعْدِ العاطِفِيِّ، وَإِنْ ظَلَّ مَحْكومًا بِفَيْضٍ شُعورِيٍّ صادِقٍ يَصِلُ حَدَّ الثَّمالَةِ.
وَتَبْدو الحاجَةُ إِلى البَوْحِ فيهِ مُلِحَّةً، كَما يَلوحُ حُضورُ الآخَرِ بِوَصْفِهِ مُتَلَقِّيًا مُفْتَرَضًا، لا بِوَصْفِهِ شَريكًا فَحَسْبُ، بَلْ كَمَلاذٍ نَفْسِيٍّ تُلْقى عِنْدَهُ أَوْجاعُ الرُّوحِ، وَكَأَنَّ النِّداءَ—في جَوْهَرِهِ—اسْتِغاثَةٌ خَفِيَّةٌ، يَكونُ الإِصْغاءُ إِلَيْها جُزْءًا مِنْ عَمَلِيَّةِ الشِّفاءِ.
أَوَّلًا: في المُسْتَوَى الفَنِّيِّ
تَتَّسِمُ النُّصوصُ بِهَيْمَنَةِ الطّابِعِ التَّقْريريِّ المُباشِرِ، حَيْثُ يُنْقَلُ الشُّعورُ كَما هُوَ، دُونَ إِعادَةِ تَشْكيلِهِ ضِمْنَ بِنْيَةٍ جَمالِيَّةٍ مُرَكَّبَةٍ. وَتَغيبُ عَنْها—في كَثيرٍ مِنَ المَواضِعِ—مُرْتَكَزاتٌ أَساسِيَّةٌ في الكِتابَةِ الشِّعْرِيَّةِ، مِثْلُ: الانْزِياحِ اللُّغَوِيِّ،
الكَثافَةِ الدَّلالِيَّةِ،
الصُّورَةِ الشِّعْرِيَّةِ المُبْتَكَرَةِ.
كَما تَميلُ التَّراكيبُ إِلى التَّكْرارِ، سَواءٌ في البِداياتِ الأُسْلوبِيَّةِ أَمْ في الحُقولِ الدَّلالِيَّةِ، مِمّا يَحُدُّ مِنْ تَنَوُّعِ الأَداءِ وَيُؤَثِّرُ في حَيَوِيَّةِ النَّصِّ.
ثانِيًا: في المُسْتَوَى الدَّلالِيِّ وَالنَّفْسِيِّ
تَكْشِفُ النُّصوصُ عَنْ مَسارٍ شُعورِيٍّ مُتَدَرِّجٍ، يَبْدَأُ بِالتَّماهي مَعَ الآخَرِ، ثُمَّ يَنْكَسِرُ عِنْدَ صَدْمَةِ الخُذْلانِ، لِيَنْتَهِيَ بِمُحاوَلَةٍ تَعْوِيضِيَّةٍ تَسْتَدْعي رُموزَ الحُرِّيَّةِ وَالجَمالِ.
وَيُحْسَبُ لِلكاتِبَةِ قُدْرَتُها عَلى التَّعْبيرِ عَنِ: الأَلَمِ النَّفْسِيِّ،
خَيْبَةِ التَّوَقُّعِ،
التَّحَوُّلِ مِنَ الوَهْمِ إِلَى الإِدْراكِ.
ثالِثًا: في المُسْتَوَى الثَّقافِيِّ
تَعْكِسُ النُّصوصُ نَسَقًا عاطِفِيًّا تَقْليديًّا، تَتَمَحْوَرُ فيهِ الذّاتُ حَوْلَ الآخَرِ، وَتُعَرِّفُ نَفْسَها مِنْ خِلالِهِ. وَعَلى الرَّغْمِ مِنِ انْكِشافِ هذَا النَّسَقِ، فَإِنَّ الخِطابَ لا يَتَجاوَزُهُ إِلى مُساءَلَةٍ نَقْدِيَّةٍ عَميقَةٍ، بَلْ يَظَلُّ يَتَحَرَّكُ ضِمْنَ أُطُرٍ مَأْلوفَةٍ ثَقافِيًّا، دُونَ تَفْكيكٍ جَذْرِيٍّ لَها.
خاتِمَةٌ
يأتيُ كتابُ «نِداءاتُ رُوحٍ» ضمنَ الكتاباتِ الوجدانيّةِ التي تنزعُ إلى تمثيلِ التّجربةِ الإنسانيّةِ في بُعدِها العاطفيّ العميق، حيثُ تسعى الكاتبةُ إلى التقاطِ لحظاتٍ شعوريّةٍ صادقةٍ، تتراوحُ بينَ انخطافاتِ الحُبِّ، ومراراتِ الخُذلانِ، وقلقِ البحثِ عن الذّات. ويُلحظُ في هذهِ النّصوصِ حضورُ حسٍّ مُرهفٍ، يتّكئُ على شفافيّةِ الانفعالِ، وصدقِ التّجربةِ، فضلًا عن نزوعٍ واضحٍ إلى البوحِ بوصفهِ فعلًا تطهيريًّا، تُرمَّمُ بهِ شُروخُ الرّوح، وتُستعادُ عبرهُ ملامحُ الاتّزانِ النّفسيّ.
كما تعكسُ هذهِ النّصوصُ صورةً مألوفةً في التّجربةِ العاطفيّةِ الإنسانيّةِ، إذ يحتلُّ «الآخرُ» موقعًا مركزيًّا في تشكيلِ الإحساسِ بالذّات، بحيثُ تتقاطعُ الهويّةُ الفرديّةُ مع حضورِهِ حضورًا كثيفًا، قد يبلغُ حدَّ التماهي أو الارتهانِ الوجدانيّ. غيرَ أنّ اللافتَ في بعضِ المقاطعِ بروزُ وعيٍ نقديٍّ خافتٍ بهذهِ الحالة، يتجلّى في مساءلةِ التعلّقِ، واستبطانِ آليّاتِه، وهو ما يُشيرُ إلى إمكانيّةِ تطوّرِ التّجربةِ نحوَ أفقٍ أكثرَ استقلالًا ونُضجًا، حيثُ تستعيدُ الذّاتُ مركزيتَها، وتعيدُ تشكيلَ علاقتها بالآخرِ على نحوٍ أكثرَ توازنًا ووعيًا.
وعليهِ، يمكنُ القولُ إنّ «نِداءاتِ رُوحٍ» لا تكتفي بتسجيلِ الانفعالِ العاطفيّ، بل تُمهِّدُ – في بعضِ تجلّياتِها – لوعيٍ ذاتيٍّ يتنامى تدريجيًّا، ويُبشِّرُ بإمكانيّةِ الانتقالِ من الكتابةِ بوصفِها تنفيسًا وجدانيًّا، إلى الكتابةِ بوصفِها فعلًا تأمّليًّا يعيدُ صياغةَ الذّاتِ ويؤسّسُ لرؤيتِها الخاصّةِ في العالم.




