نحو النهضة .. البنية الإجتماعية / د . هاشم غرايبة

يرتكز المجتمع في أية أمة على مجموعة من القيم المتوارثة ، وهي التي تكسبه صبغة معينة .
يعتقد البعض أن بنية المجتمع الإنساني متماثلة ، لكن بالتحليل المقارن يتبين أن هنالك تميز جوهري للنظام الإسلامي ، فكل المجتمعات ترتكز على الفرد على أنه الوحدة الأساسية ، ومن مجموع الأفراد يتألف المجتمع الكلي وهذا هو المجتمع الرأسمالي ، المجتمع الإشتراكي على النقيض من ذلك يرتكز على المجموعات الكبيرة وليس الأفراد ، وأصغر وحدة هي الجمعية التعاونية أو القرية الزراعية أو الكتلة العمالية ، لكن هذه التجربة فشلت بسبب عدم التنبه الى خطورة النزعة الفردية ، وبسبب إهمال دورالحوافز الذاتية ، والإعتقاد بأن الإلتزام الحزبي يمكن أن يعوّض الفراغ الروحي .
لذلك وجدنا أن الجميع ارتدّوا نحو المجتمع الرأسمالي السائد حاليا ، المتميز بالميل نحو الفردية ، لذا فالعلاقة بين الأفراد تنافسية للإستئثار بالنفع ، ومعيار النجاح فيه هو مدى قدرة الفرد على زيادة هذا النفع وتكديس الثروة بغض النظر عن الوسيلة ، ولا يتم التعاون بين الأفراد ( الشركات ) لغاية تعميم النفع ، بل التآزر لتحقيق التفوق على الآخرين المنافسين .
وتماشيا مع مبدأ التنافسية ، أجريت الكثير من الدراسات والبحوث الممولة من الشركات الكبرى ، فأصبح التسويق علما يدرّس واستخدم علوم الإجتماع والنفس وغيرها ، لغايات فهم نفسية الفرد المستهلك وطرق إغرائه بالمزيد من الإستهلاك .. وهكذا أصبح المجتمع الإنساني في نهاية القرن العشرين مكون من صنفين : مسوّق ومستهلك مع تداخلات معقدة فيما بينهما .
إذن هذه صورة المجتعات في أي مكان الآن .. فما الذي سيغيره التصور الإسلامي ..؟
الفارق الجوهري هو في أن الإسلام يعتبر الوحدة البنائية للمجتمع هي العائلة كوحدة واحدة وليسوا كأفراد ينتمون الى أسرة كما في المجتمع الغربي ، لتوضيح الفارق لنقارن بين عائلة أردنية وأخرى ألمانية كنموذجين ، الأردنية : العلاقة بين الوالدين والأولاد محددة بحقوق وواجبات معروفة وثابتة بموجب قيم دينية واجتماعية ، أما الألمانية فيحكم القانون تلك العلاقة والذي لا يعطي الوالدين الحق في ضبط تصرفات الأولاد ، وتعتبر الحكومة هي المرجعية في حقوق الإبن ويستطيع أن يقاضي أبيه إن حاول الحد من حريته في ممارسته أمور تضره كالمخدرات أو قيّد من حريته الجنسية كقاصر ، وذلك ناجم من أن الولد يعتبر فردا يقطن مع عائلته بمحض إرادته ويمكنه مغادرتها وليست عليه أية إلتزامات تجاه والديه إن باتوا في حاجة له .
طبعا المبررات المعلنة للرأسمالية هي تقديس الحق الإنساني في الحرية ، لكن دوافعها المضمرة هي أن الوصول للفرد كمستهلك منفرد هو أسهل مما لو كان أسرة متماسكة تدرس أولوياتها .
لذلك نلاحظ أنه في السنوات الأخيرة ، هنالك هرولة في الدول العربية نحو تعديل التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية باتجاه التطابق مع النموذج الغربي وإلغاء القليل مما تبقى من تشريعات جذورها إسلامية ، مترافقة مع كرم مفاجيء من الغرب بتمويل منظمات ( NGO ) بحجج مختلفة مثل الحد من العنف الأسري والحفاظ على حقوق الطفل والمرأة . لكن لا يمكن إنكار أن ذلك ربما أدى إلى ظهور تصدعات مجتمعية حقيقية لم تكن موجودة قبل هذه الإصلاحات المزعومة .

وإذا أخذنا الأسرة ببعدها التربوي ، سنجد أنها أقدر على حماية الأضعف من أعضائها الذين هم الأولاد والبنات وتحصينهم لمقاومة المغريات الإستهلاكية ، ابتداء من المأكولات الضارة المغرية للأطفال الى التدخين وتناول الكحول وحبوب الهلوسة والمخدرات ، الى ارتياد أماكن القمار والمراهنة وانتهاء ببيوت الدعارة والإنحلال الخلقي والشذوذ .. الخ ، كل تلك أصبحت وسائل استثمارية مباحة في النظام الرأسمالي وليست هنالك تشريعات كافية لحماية القاصرين من أذاها ، بل على العكس هنالك تسهيلات تسويقية هائلة لأن من يديرها منظمات ذات نفوذ جبارعابر للقارات … فأيهما أقدر على حماية القاصرين (الحلقة الأضعف المستهدفة) من هذه المخاطر الهائلة : عائلة مفككة يعيش أفرادها معا لكن كل حسب هواه ومصلحته .. أم عائلة إسلامية مترابطة يراقب الوالدان ويرعيان ويضبطان أي مسلك خاطيء لأولادهم قبل تفاقمه ؟؟
وأي العائلتين ستكون متماسكة ؟ أليست تلك التي يسمتع فيها الإبن لأبيه ، الذي يسعى لكل ما فيه مصلحة ابنه بكل تفانٍ ليس خوفا من القانون ، بل بدافع من العاطفة والإلتزام بالشرع والذي سيكون بلا شك صادقا وليس تظاهرا ؟
وأي العائلتين ستحقق كرامة للوالدين عند هرمهما وحاجتهما للرعاية ؟ ، تلك التي يلتزم الأولاد بذلك محبة وإخلاصا والتزاما بأمر الله ، أم تلك التي لا يزور الإبن أبويه الا في عيد الميلاد المجيد .. وقد يكتفون بالإتصال الهاتفي بهما في دار العجزة ؟ .
لا شك أن اعتبار العائلة الوحدة الإجتماعية الأولية وليس الفرد ، هو الأفضل لبناء المجتمع المتماسك لأن لبنته الأساسية مكينة ، ومأمون عدم تفسخها بفعل الضغوط ، كون لحمتها ( الأم والأب ) ، فهي الرابط الأقوى من كل القوانين مجتمعة ، والتي لا يمكن التشكيك في مدى إخلاصها !
هكذا يتبدى لنا تميز النظام الإسلامي عن الرأسمالي .. والذي هو سائد الآن .. فكم هي هائلة معيقات صلاح المجتمع التي نلمسها الآن في نظامنا الحالي الهجين بين الرأسمالي والقَبَلي .. والتي ستزول جميعا لو انتهجنا النظام الإجتماعي الإسلامي الحقيقي !! .

* للإطلاع على المزيد من انتاج الكاتب د . هاشم غرايبة يرجى الدخول على صفحته على الفيس بوك : صفحة الدكتور هاشم غرايبه أو على رقم التعريف : 644864265574607

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى