
د. #هاشم_غرايبه
رأيت فتاتين لا يتجاوز عمرهما الثانية عشرة في أحد المتاجر تتجادلان في كون المادة التي تودان شراءها مشمولة بالمقاطعة أم لا، وعندما وجدتاها كذلك أعادتاها الى الرف، واستبدلتاها بمنتج أردني رغم أنه أقل جودة من الأوروبي.
الإرهاصات التي ولدتها معركة الطوفان المباركة كثيرة وفي مختلف المجالات، سواء على واقعنا العربي البائس، أو على صعيد زلزلة أركان معسكر الباطل عالميا.
1 – على صعيد أمتنا كان التفاعل الجماهيري كاسحا، وإن اختلفت سبل التعبير والممارسة من قطر لآخر، بحسب مدى انغماس الناظم الحاكم في رذيلة الخيانة، وبالتالي شدة الضغط والقمع للأصوات المتضامنة مع المقاومة الإسلامية.
إلا أن ما لم تستطع هذه الأنظمة كبحه ولا الوقوف في وجهه كان الحملة الاقتصادية المناهضة للعدوان وللمتعاونين معه، وتمثلت بالمقاطعة الجماهيرية العريضة لمنتجات الشركات الداعمة للكيان اللقيط.
رغم أن تجارب المقاطعة السابقة كانت مخيبة للآمال، وذلك بسبب ضعف الثقة بفاعليتها وتأثيرها، كون السوق العربية صغيرة نسبيا في السوق العالمية، فلا يقتنع كثيرون بأن مقاطعتهم ستؤثر، إضافة الى أن الوكلاء المحليين لتلك الشركات وثيقو الصلة بالأنظمة الحاكمة، وفي غالب الأحيان شركاء لها، لذلك كانت الضغوط الرسمية تحد كثيرا من الالتزام بالمقاطعة وتخرقها.
رغم ذلك فقد كان الالتزام بالمقاطعة هذه المرة عاليا جدا، والعامل الأول وراء ذلك وبهذه الدرجة العالية من الالتزام كان جراء ما تولد في النفوس من حقد على انغماس الغرب بشكل فاضح وغير مسبوق في العدوان المسعور على القطاع، وتغطيته بشكل سافر على الجرائم التي يرتكبها العدو.
والعامل الثاني أنه جاء كردة فعل غاضبة على تخاذل الأنظمة وتواطئها، وكتحد لها ولشركائها.
وأما العامل الثالث فهو عائد الى الشعور بالعجز عن الوقوف بما يتطلبه الموقف من دعم ومشاركة لهذه الفئة الصادقة الصابرة المرابطة، فلا أقل من إشعارهم بالتضامن معهم عن طريق هذه الوسيلة.
في البداية بذلت الأنظمة العربية ما بوسعها لإفشال هذه الحملة، ولجأ بعضها الى استغلال حالة البطالة ليهولوا من أضرار المقاطعة في لجوء هذه الشركات الى تسريح العاملين المحليين، لكن ما حدث كان له نتيجة إيجابية لصالح الاقتصاد المحلي، فقد نشأت صناعات وطنية جديدة بعد أن ازداد الطلب على المنتج المحلي الجديد، فتم استيعاب من سرحوا، كما تحسنت جودة المنتج الحلي بفضل التنافس بين المنتجات الوطنية، وأصبح منافسا لتلك الأجنبية العريقة.
وإذا أخذنا الحالة الأردنية كواحدة من أكثر الساحات العربية التزاما بالقضية، لوجدنا تأثير المقاطعة كان واضحا، وتجلى ذلك في إغلاق لبعض فروع “ستاربكس”، والتي لم تغلق كالذي في إربد مغلق عمليا، لأنه لن تجد من يدخله، كما حدث انخفاض حاد في مبيعات “كارفور” و “أيكيا” رغم عروضها المغرية، وفي حين ازدهرت وتوسعت مطاعم الوجبات السريعة المحلية، لكنك لن تجد فيها مشروبات “بيبسي” أو “كوكا كولا”، والتي أصبحت لها بدائل وطنية، كما أن مطاعم الوجبات السريعة الأمريكية وعلى رأسها “ماكدونالد” وغيرها استغنت عن عدد كبير من العاملين فيها لقلة الرواد، بل ويخجل من يشتري أيا من منتجاتها، حيث تلاحقه النظرات المستنكرة.
الملاحظ أن ضابط الإلتزام بالتضامن مع غزة مرتبط في غالبه بالعقيدة الدينية، والخوف من مخالفة أمر الله بعدم موالاة أعداء منهجه، واكثر من الدافع الإجتماعي – الوطني، لذلك رأينا الالتزام بالمقاطعة في المحافظات، أكثر بكثير من العاصمة وبالتحديد المنطقة الغربية فيها التي تقطنها الطبقة المترفة.
2 – على الصعيد العالمي زلزلت معركة الطوفان وما تلاها أركان المجتمعات الغربية، وكشفت حركات الاحتجاج الطلابية التي عمت كل جامعات الغرب، والقمع الذي مورس لإسكاتها، زيف الإدعاء باحترام حرية الإعلام وحق التعبير عن الرأي، وفي أول اختبار عندما يكون الرأي مخالفا لما أرسته القوة الخفية في المجتمعات، واطمأنت الى أنها كرسته وليس لها مخالف، وانكشف أن أنظمة الغرب التي كانت تدّعي احترام القيم الديمقراطية، لا تختلف ممارساتها في شيء عن أنظمة الاستبداد العربية، مما يثبت أنها جميعا تتلمذت على شيخ واحد.
ذلك دليل على أن سقوط النظام الغربي وشيك، وتفككه سيكون من داخله.
هكذا لنعلم أن الله محيط بالظالمين، لا يهملهم بل يمهلهم كما أمهل إبليس، ليمد لهم في طغيانهم، ليسقطوا من حالق، فيكون سقوطهم قاصما.

