
صالح العايش!!!
قبل عقودٍ خلَت و عندما كنت طالباً في المرحلة الثانوية كان المرحوم صالح العايش (أبو أحمد) أحد جيراننا بالجنب و كان ممن ألِفناهم و ألِفونا وممّن أحببناهم و أحبّونا!!! كان دمث الخُلق، و طيّب النفس، و طويل الصمت، و كان هيّنا ليّناً، و صبوراً و صاحب نخوة و عزّة نفس…
كان رحمه الله طويل القامة حنطي السحنة؛ و كان أصيل المعدن كأصالة حنطة سهول حوران حيث وُلِد و عاش و دُفن بين جنبات و ذرّات ترابها…. 🙁
كان أبو أحمد يشبه في هيئته و قامته الرئيس الراحل صدّام حسين… لا زلت أذكر كيف خرجنا إلى الشارع يوما بعد منتصف الليل لنراقب وهج الصواريخ التي أطلقها صدّام حسين نحو العدو الصهيوني و هي تسبر سماء شمال الأردن… هرعنا إلى شارع “خط الشام” و كان أبو أحمد رحمه الله أوّل الواصلين؛ و كان يُراقب السماء بشغف و اهتمام… و كان يبتسم و يقول: “لا هيتش الزلم لا بلاش”!!!
يومها شعر الأردنيون كغيرهم من الشعوب العربية بما شعر به أبو أحمد مِن عزّة و كرامة افتقدناها منذ قرون… 🙁 لم تُصِب تلك الصواريخ أهدافاً إسرائيلية… لكنّها أصابت شغاف قلوبنا فأحيتها… و أصابت صميم قلوب الصهاينة فأرعبتهم… 🙁
رحل أبو عدي و رحل أبو أحمد و بقينا نتذكّر تلك الأيّام الخوالي و نتحسَّر و نتألّم و نحن نشهد الواقع العربي المأزوم؛ و نرى الأقصى الجريح و هو يصيح و يستغيث…. فلا مُجيب…
كنّا قبل سنين نُدين و نستنكر و نشجب اكتفاء القادة للعرب بإدانة و باستنكار و شجب الانتهاكات الإسرائيلية… حتّى جاء اليوم الذي نرى فيه بعض الساسة العرب يُدينون و يشجبون و يستنكرون أفعال المقاومة التى تُدافع عن المسجد الأقصى… 🙁 فلقد انقلبت الموازين و انعكست المعايير حتّى باتت المقاومة عدواناً و إرهاباً و غدا الأعداء المجرمون أصحاباً و أحباباً… و أصبح هذا بما يَدين به بعض الساسة و يتقرّبون به إلى ربّهم الأعلى 🙁
هنيئاً لك يا أبا أحمد؛ فقد رَحلتَ قبل أن ترى انتكاساتنا الواحدة تلو الأخرى… رَحلتَ و في ذاكرتك الجميلة النقيّة ذكريات صواريخ العراق العظيم و هي تُحلّق بعزّة و شموخ قبل أن يحِلّ زمن الذلِّ و الخنوع و يتسابق العرب في تأدية فروض الطاعة و الاستسلام على الملأ دون خجلٍ أو وجَل…. 🙁
إلى جنان الخُلد يا صالح العايش… يا أبا أحمد… فقد كنتَ صالحاً و ما زلت و ستبقى “عايشاً” في ذاكرتنا… و أحسن الله عزاء الأمّة العربية بمصابها و رحيل كرامتها و عزّتها إلى دار البقاء… و إنّا لله و إنّا إليه راجعون 🙁

