
من يشتري الكبريت
لم تصبح بائعة الكبريت حديث الناس و محط اهتمامهم إلا بعد تجمدها و موتها بردا و بعد فوات الأوان, فذاك الجسد الهزيل الذي بدأ بالتجمد و تلك النظرات التي بدأت تخبو و ذلك الصوت الذي بدأ يحمل في نداءاته وهناً بعد وهن لم يحرك ضميراً و لم يبعث رحمةً في النفوس . بائعة الكبريت التي لم أجد لها اسماً أو حتى وصفاً و لا اعلم عنها سوى أنها بائعة كبريت يتيمة فقيرة بائسة تشبثت بالحياة حتى آخر عود و هي تعلم في قرارة نفسها أن هذه الأعواد لا تدفئ ولا تقي من البرد. تعلمت من بائعة الكبريت أن أسماءنا مجرد مفردات لا يحتاجها اغلب الناس فقصصنا هي التي تصنع أسماءنا و تحدد مستقبلنا و مصيرنا فقد يحتاجه احد الأثرياء ليطلقه على كلبه الوفي و يتفاخر به بين أبناء جلدته أكثر من حاجة طفل حافي القدمين له فلو كان للأسماء وزن أو قيمة لباعت بائعة الكبريت اسمها و اشترت كومة حطب.
اليوم و في هذه الأجواء العاصفة التي تضرب مشارق أرض العروبة ومغاربها و الإنجماد الموحش المعتم كقلوب و ضمائر البعض نجد المئات بل الآلاف من بائعو و بائعات الكبريت و لكن بدون كبريت فقد استبدلوا أعواد الكبريت بأيامهم المعدودة فكل يوم ينقضي ينطفئ و ينطفئ معه الأمل كعود كبريت ميؤوس من إعادة اشتعاله , الأطفال في غزة و في المخيمات السورية لا نعلم عددهم و لا أسماءهم كما لم نعلم اسم بائعة الكبريت من قبل و لكن ما سنعلمه لاحقاً وبعد تجمد أجسادهم أنهم لم يبيعوا الكبريت و لم يستجدوا الدفء من أحد فهم يعلمون جيداً بأنه لو كانت الضمائر تعي و لو كانت القلوب ترى لما ماتت بائعة الكبريت.
يعلمون أن نداءاتهم سترتد خائبة و ربما يحصلوا على بعض استجابات وعبارات شفقة كالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع فيؤثروا الموت بصمت , البرد يبكيهم و يدمي مآقيهم فتتجمد الدموع على خدود ذارفيها فهي لم تعد تحمل ذاك الدفء المعهود في مسيرها , و الثلج نشب أنيابه في جماجمهم فعجزوا حتى عن الكلام و تبقى وحدها بائعة الكبريت التي تدرك معنى البرد و تبقى هي أملهم الوحيد في الدفء فربما تستيقظ من سباتها العميق لتشعل لهم أعواد الكبريت و تنير لهم طريق الراحة الأبدية كما أنارتها لها جدتها من قبلهم فيشعروا بالدفء و الهدوء من صخب الدنيا و رياء الناس . ربما سنشعر بعد رحيلهم بالرحمة و الرأفة و بوخز في القلوب و ربما تدمع أعيننا أمام شاشات التلفاز و لربما تنتفض ضمائرنا بقوة و تبدأ بإزاحة الجليد عنها وتصرخ من يشتري الكبريت.
بقلم:
د. أمل مسعود أبو خليل

