
ماجد دودين
عن عبد الله بن الشخير قال: ((أَتَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَهو يَقْرَأُ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، قالَ: يقولُ ابنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، قالَ: وَهلْ لَكَ، يا ابْنَ آدَمَ مِن مَالِكَ إلَّا ما أَكَلْتَ فأفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ؟))
صحيح مسلم
لَيْس للإنسانِ مِنَ الدُّنيا مِن المالِ إلَّا ما تَصدَّق بِه راجيًا ثَوابَ اللهِ في الآخرَةِ. وفي هَذا الحديثِ يَقولُ عَبدُ اللهِ بنُ الشِّخِّيرِ: أَتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَهو يَقرَأُ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر: 1] أي: أَشْغَلَكُم طَلبُ كَثرةِ المالِ، فَقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (يَقولُ ابنُ آدَمَ: مالي مالي) أي: يَغتَرُّ بِنِسبةِ المالِ إِلى نَفسِه. (هَل لَك يا بنَ آدمَ مِن مَالكَ إلَّا ما أَكَلْتَ)، واستَعْمَلْتَ مِن جِنسِ المَأكولاتِ والمشروباتِ، (فأَفْنَيْتَ) أي: فأَعْدَمْتَها، فَوصَلَ نَفْعُ ذَلك إِلى أَجزاءِ البَدنِ واستقامَ بِه أمرُها، (أَو لَبِستَ) منَ الثِّيابِ (فأَبْلَيْتَ)، أي: فأَخْلَقْتَها، وهَل يَحصُلُ لَكَ مِنَ المالِ وَينفَعُك إلَّا ما تَصدَّقتَ على مُحتاجٍ قاصِدًا وَجهَ اللهِ تَعالى فأَمْضَيْتَ، أي: فأَمضيْتَه وأَبقَيتَه لنَفْسكَ يَومَ الجَزاءِ؟! وفي الحديثِ: الحثُّ على إِنفاقِ المالِ في وُجوهِ البِرِّ.
أوصى بعضُ الحكماء بنيه فقال: الأدب أكرم الجواهر طبيعةً، وأنْفسها قيمةً، يَرْفع الأحساب الوَضيعة، ويُفيد الرَّغائب الجليلة، ويُعِز بلا عشيرة، ويُكثر الأنصار بغَيْر رزيَّة، فالبسوه حُلّة، وتَزَينُوه حِلْية، يُؤْنسكم في الوَحشة، ويجمع لكم القُلوب المختلفة.
يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ” مَن حَلم ساد، ومن ساد استفاد، ومن استَحيا حُرم، ومن هاب خاب، ومَن طلب الرّئاسة صَبر على السياسة؛ ومَن أبصر عَيْب نفسه عَمِيَ عن عَيب غيره، ومَن سلَّ سيف البَغْي قُتل به، ومن احتقر لأخيه بئراً وقَع فيها، ومَن نَسى زَلَّته استعظم زلّة غيره، ومن هَتَك حِجاب غيره اْنهتكت عورات بَيته، ومن كابر في الأمور عَطِب، ومن اقتحم اللُّجج غَرِق، ومن أعجب برأْيه ضَلَّ، ومن استغنى بعَقله زلَ، ومن تَجَبَّر على الناس ذَلَّ، ومن تَعمَّق في العَمَل مَلَّ؛ ومَن صاحَب الأنذال حُقِّر، ومن جالس العلماء وُقَر؛ ومن دَخل مَداخل السًوء اتُّهم؛ ومَن حَسَنُ خُلقه، سَهُلَت له طُرُقه؛ ومن حَسَّنَ كلامَه، كانت الْهَيْبة أمامَه؛ ومَن خَشي الله فاز؛ ومَن استقاد الجَهْل، تَرك طَرِيق العَدْل؛ ومَن عرف أجَله، قَصًر أمله؛ ثم أنشأ يقول:
البس أَخاكَ عَلى عُيوبِه وَاِستُر وَغَطِّ عَلى ذُنوبِه
وَاِصبِر عَلى ظُلمِ السَفيهِ وَلِلزَمانِ عَلى خُطوبِه
وَدَعِ الجَوابَ تَفَضُّلاً وَكِلِ الظَلومَ إِلى حَسيبِه
وَاِعلَم بِأَنَّ الحِلمَ عِندَ الغَيظِ أَحسَنُ مِن رُكوبِه
ما وَهب اللهّ لامرىء هِبةً … أفضلَ من عَقْله ومن أَدبهْ
هُما حياةُ الفَتى فإن فًقِدَا … فإنّ فَقْد الحَياة أحسنُ به
وَإِن من أَدبته في الصبا كَالعودِ يَسقى الماء في غرسه
حَتى تَراهُ مورِقاً ناضِراً بَعد الَّذي قَد كانَ من يبسه
وَالشَيخُ لا يَترُك اِخلاقه حَتّى يُواري في ثَرى رمسه
اِذا اِرعوى عاد اِلى جَهلِهِ كَذي الضنا عادَ اِلى نَكسِه
وَالحَمق داء ما له حيلَة تُرجى كَبعد النَجم عَن لَمسِه
لَن تَبلُغ الاِعداء مِن جاهِل ما يَبلُغ الجاهِل مِن نَفسه
أرسل معاوية إلى الأحنف بن قيس، فقال: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ قال: ” يا أمير المؤمنين “، ثمار قُلوبنا، وعماد ظهورنا؛ ونحن لهم أرضٌ ذَليلة، وسماء ظَلِيلة، فإن طلبوا فأعْطِهم، وإن غَضبوا فأَرْضهم؛ يمنحوك ودهم ويُحبوك جَهْدهم؛ ولا تكن عليهم ثقيلاً فيملّوا حياتك، ويُحبُّوا وفاتك. فقال: للّه أنت يا أحنف، لقد دخلتَ عليّ وإني لمملوء غضباً على يزيدَ فسَلَلَته من قلبي. فلمّا خرج الأحنفُ من عنده، بعث مُعاوية إلى يزيد بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب، فبعث يزيدُ إلى الأحنف بمائة ألف دِرْهم ومائة ثوب، شاطره إياها.
تروحُ لنا الدنيا بغير الذي غَدَتْ ** وتَحدثُ من بعد الأمور أمورُ
وتجري الليالي باجتماعٍ وفُرقةٍ ** وتطلُعُ فيها أنجم وتَغورُ
فمن ظنّ أنّ الدهرَ باقٍ سرورُهُ ** فذاكَ محال لا يَدُومُ سرورُ
عَفَا اللَّهُ عَمَّن صَيَّر الهمَّ واحدًا ** وأيقن أن الدائرات تَدورُ
الحِلم زين، والسكوت سلامة فإذا نطقت فلا تكن مكثـــــــارا
ما إن ندمتُ على سكوتي مرة لكن ندمت على الكلام مرارا
حقيق بالعاقل أن ينطق بعلم، ويُنصت بحِلم، ولا يعجل في الجواب، ولا يسرع في الخطاب، وإن رأى أحدًا هو أعلم منه أنصت للإفادة منه، فلا يتكلم فيما لا يعلم أو فيما هو غير واثق من مصدره.
الكلامُ في الخير كلِّه أفضلُ من الصمت، والصمت في الشرِّ كلّه أفضلُ من الكلام
عَن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الابْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ، يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلا تَتَفَرَّجُو، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الابْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ لا تَفْتَحْهُ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الاسْلامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالابْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ)( جامع الترمذي، برقم: (2859)، ومسند الإمام أحمد، 29/ 181-182، برقم: (17634). وصحّحه الألباني، ينظر: صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 294، برقم: (2348).
مِن الأساليبِ التي امتازَ بها البَيانُ في القُرآنِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ: ضَربُ الأمثالِ لِتَقريبِ المفاهيمِ للنَّاسِ عندَ وَعْظِهم وتَعليمِهم.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: “ضرَبَ اللهُ مَثلًا”، أي: بيَّن مَثلًا لعِبادِه، “صِراطًا مُستقيمًا”، وهو: الطَّريقُ المُمتَدُّ الَّذي لا اعوِجاجَ فيه، “وعن جَنَبَتَيِ الصِّراطِ”، أي: على طَرَفَيْ أو جانِبَيْ هذا الطَّريقِ، “سُورانِ”، أي: جِدارانِ يُحيطانِ به مِن جِهَتَيه، “فيهما”، أي: يتَخلَّلُ هذينِ الجِدارَينِ “أبوابٌ مُفتَّحةٌ، وعلى الأبوابِ سُتورٌ”، جمعُ سِتْرٍ، “مُرخاةٌ”، أي: مُرسَلةٌ، والمعنى: أنَّه مُلْقًى على تلك الأبوابِ ستائِرُ لا تُظهِرُ للمارِّ مِن على الصِّراطِ مَن بداخِلِها، “وعندَ رأْسِ الصِّراطِ داعٍ”، أي: في أوَّلِه، والمرادُ بالدَّاعي: هو مَن يُرشِدُ للنَّاسِ أمْرَهم على هذا الطَّريقِ، وهذا الدَّاعي يقولُ للناسِ: “استَقيموا على الصِّراطِ ولا تَعْوَجُّوا”، أي: سِيروا عليه دونَ أنْ تَمِيلوا إلى الأطرافِ والجوانبِ، “وفوقَ ذلك داعٍ يَدْعو”، أي: وهناك داعٍ آخَرُ فوقَ الدَّاعي الَّذي يَدْعو النَّاسَ على رأْسِ الصِّراطِ؛ وهذا الدَّاعي: “كلَّما همَّ عبْدٌ”، أي: قصَدَ وأراد “أنْ يَفتَحَ شيئًا”، أي: قدْرًا يَسيرًا “مِن تلك الأبوابِ”، أي: مِن سُتورِها، “قال له”، أي: هذا الدَّاعي: “وَيلَك” وهي كلمةُ تَرحُّمٍ وتَوجُّعٍ تُقال لمَن وقَعَ في هلَكةٍ لا يَستحِقُّها، ثم استُعمِلَت لِمُجرَّدِ الزَّجْرِ، “لا تَفتَحْه”، أي: زجَرَه عن فتْحِه لهذه الأبوابِ، وحذَّرَه مِن ذلك؛ “فإنَّك إنْ تَفْتَحْه تَلِجْهُ”، أي: لو فتَحْتَ هذه الأبوابَ لنْ تَستطيعَ أنْ تُمسِكَ نفْسَك عن الدُّخولِ، “ثم فسَّره”، أي: فسَّر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هذا المَثَلَ؛ “فأخبَرَ أنَّ الصِّراطَ هو الإسلامُ”؛ وهو طريقٌ مُستقيمٌ، والمطلوبُ مِن العبْدِ الاستقامةُ عليه، “وأنَّ الأبوابَ المُفتَّحةَ مَحارِمُ اللهِ”، أي: الأمورُ التي حرَّمَها، والشُّبهاتُ الَّتي نَهى عنها العِبادَ؛ فإنَّها أبوابٌ للخُروجِ عن كَمالِ الإسلامِ والاستقامةِ، والدُّخولِ في العذابِ والملامةِ، فلا يقَعُ أحَدٌ في حُدودِ اللهِ حتَّى يُكشَفَ السِّترُ الَّذي على تِلك الأبوابِ؛ فمَن انتَهَكَ المحارِمَ هتَكَ السُّتورَ، وقد قال اللهُ تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187]، “والدَّاعي على رأْسِ الصِّراطِ هو القرآنُ” يَدْعو الناسَ إلى الاستقامةِ على أمْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ بما فيه مِن أوامِرَ ونواهٍ، وإرشاداتٍ وآدابٍ، وغيرِ ذلك ممَّا به يكونُ صلاحُ الناسِ وهِدايتُهم، “والدَّاعي مِن فوقِه هو واعظُ اللهِ في قلْبِ كلِّ مُؤمنٍ”، قِيل: هي لَمَّةُ الملَكِ في قَلْبِ كلِّ مُؤمنٍ، واللَّمَّةُ الأُخرى هي لَمَّةُ الشَّيطانِ.
وفي الحديثِ: الأمرُ باتِّباعِ القُرآنِ وما جاء فيه مِن أوامِرَ ونَواهٍ، والنَّهيُ عن الوُقوعِ في مَحارِمِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وفيه: أنَّ اللهَ سُبحانه جعَلَ للعِبادِ حواجِزَ تَمنَعُهم مِن الوُقوعِ في المعاصي.