من كل بستان زهرة – 42 –

من كل #بستان #زهرة – 42 –

#ماجد_دودين

يا أسير دنياه، يا عبد هواه، يا موطن الخطايا، ويا مستودع الرزايا، اذكر ما قدّمت يداك، وكن خائفا من سيدك ومولاك أن يطّلع على باطن زللك وجفاك، فيصدك عن بابه، ويبعدك عن جنابه، ويمنعك عن مرافقة أحبابه، فتقع في حضرة الخذلان، وتتقيد بشرك الخسران، وكلما رمت التخلص من غيّك وعناك، صاح بك لسان الحال وناداك:

إليك عنا فما تحظى بنجوانا … يا غادرا قد لها عنا وقد خانا

أعرضت عنا ولم تعمل بطاعتنا … وجئت تبغي الرضا والوصل قد بانا

بأي وجه نراك اليوم تقصدنا … وطال ما كنت في الأيام تنسانا

يا ناقض العهد ما في وصلنا طمع … إلا لمجتهد بالجدّ قد دانا

يا من باع الباقي بالفاني، أما ظهر لك الخسران، ما أطيب أيام الوصال، وما أمرّ أيام الهجران، ما طاب عيش القوم حتى هجروا الأوطان، وسهروا الليالي بتلاوة القرآن فيبيتون لربهم سجدا وقياما.


إلى كم تماطلون بالعمل، وتطمعون في بلوغ الأمل، وتغترّون بفسحة المهل، ولا تذكرون هجوم الأجل؟ ما ولدتم فللتراب، وما بنيتم للخراب، وما جمعتم فللذهاب، وما عملتم ففي كتب مدّخر ليوم الحساب.

ولو أننا إذا متنا تركنا … لكان الموت راحة كل حيّ

ولكنّا إذا متنا بعثنا … ونسأل بعدها عن كل شيء


أيها المقيم على الخطايا والعصيان، التارك لما أمرك الرحمن، المطيع للغويّ الفتان، إلى متى أنت على جرمك مصرّ، ومما يقرّبك إلى مولاك تفرّ؟ تطلب من الدنيا ما لا تدركه، وتتقي من الآخرة ما لا تملكه، لا أنت بما قسم الله من الرزق واثق، ولا أنت بما أمرك به لاحق.

يا أخي، الموعظة، والله لا تنفعك، والحوادث لا تردعك. لا الدهر يدعك، ولا داعي الموت يسمعك، كأنك يا مسكين لم تزل حيا موجودا، كأنك لا تعود نسيا مفقودا.

فاز، والله، لمخفون من الأوزار، وسلم المتقون من عذاب النار، وأنت مقيم على كسب الجرائم والأوزار.

وأنشدوا:

عيل صبري وحق لي أن أنوحا … لم تدع لي الذنوب قلبا صحيحا

أخلقت مهجتي أكف المعاصي … ونعاني المشيب نعيا صريحا

كلما قلت قد بري جرح قلبي … عاد قلبي من الذنوب جريحا

إنما الفوز والنعيم لعبد … جاء في الحشر آمنا مستريحا

ارفضوا هذه الدنيا كما رفضها الصالحون، وأعدّوا الزاد لنقلة لا بدّ لها أن تكون، واعتبروا بما تدور به عليكم الأيام والسنون.

يا من غدا في الغيّ والتيه … وغرّه طول تماديه

أملى لك الله فبارزته … ولم تخف غبّ معاصيه


الدنيا سموم قاتلة، والنفوس عن مكائدها غافلة، كم من نظرة تحلو في العاجلة، ومرارتها لا تطاق في العاقبة الآجلة. يا ابن آدم، قلبك قلب ضعيف، ورأيك في إطلاق الطرف وهمٌ سخيف. عينك مطلوقة، ولسانك يجني الآثام، وجسدك يتعب في كسب الحطام، كم من نظرة محتقرة زلت بها الأقدام.

عاتبت قلبي لما … رأيت جسمي نحيلا

فلام قلبي طرفي … وقال كنت الرسولا

فقال طرفي لقلبي … بل كنت أنت الدليلا

فقلت كفا جميعا … تركتماني قتيلا


نَسِيرُ إِلى الآجَالِ في كُلِّ لَحْظَةٍ … وَأَيَّامُنا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ

وَلَم نَرَ مِثْلَ المَوِت حَقًّا كَأَنَّهُ … إِذَا مَا تَخَطَّتُهْ الأَمَانِيُّ بَاطِلُ

تَرَحَّلْ مِن الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ التَّقَى … فَعُمْركَ أَيَّامٌ تُعَدُّ قَلائِلُ

اللهم يا حي يا قيوم فرغنا لما خلقتنا له، ولا تشغلنا بما تكفلت لنا به، واجعلنا ممن يؤمن بلقائك، ويرضى بقضائك، ويقنع بعطائك، ويخشاك حق خشيتك. اللهم اجعل رزقنا رغدًا، ولا تشمت بنا أحدًا. اللهم رغبنا فيما يبقى، وزهدنا فيما يفنى، وهب لنا اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يعول في الدنيا إلا عليه. اللهم إنا نسألك بعزك الذي لا يرام وملكك الذي لا يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفينا شر ما أهمنا وما لا نهتم به وأن تعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا


يَا قَسْوةَ القَلْبِ مَالِي حِيْلةٌ فِيْك … مَلَكْتِ قَلْبِي فأَضْحَى شَرَّ مَمْلُوكِ

حَجَبْتِ عَنِي إِفادَاتِ الخُشُوعِ فَلا … يَشْفِيْكِ ذِكْرٌ وَلا وَعْظٌ يُدَاوِيْــــــــــــــكِ

وَمَا تَمَادِيْكِ مِن كُثْفِ الذُنُوبِ وَلَـ … ـكِنَّ الذُنُوبَ أَرَاهَا مِن تَمَادِيْــــــــــكِ

لَكِن تَمَادِيْكِ مِن أَصْلِ نَشَأتِ بِهِ … طَعام سُوْءٍ عَلَى ضَعْفٍ يُقَوِّيْـــــــكِ

وَأَنْتَ يا نَفسُ مَأْوَى كُلِّ مُعْضِلةٍ … وَكُلُ دَاءٍ بِقلبِي مِن عَوادِيْـــــــــــــــكِ

أَنتِ الطَّلِيْعَةُ لِلشَّيْطَانِ في جَسَدِي … فَلَيْسَ يَدْخُلُ إِلا مِن نَواحِيْــــــــــكِ

لَمَا فَسَحْتِ بِتَوفِيْرِ الحظُوظِ لَهُ … أَضْحَى مَعَ الدَّم يَجْرِيْ في مَجَارِيْــكِ

وَالَيْتِهِ بِقَبُوْلِ الزُورِ مِنْكِ فَلَنْ … يُوَالِــــــــــي الله إِلا مَن يُعَادِيْــــــــــــــــــــكِ

ما زِلْتِ في أسْرِهِ تَهْوِيْنَ موْثقَةٌ … حَتَّى تَلِفْتِ فَأَعيانِــــــــــي تَلافِيْــــــــــكِ

يَا نَفْسُ تُوبِي إلى الرحمنِ مُخْلِصَةً … ثم اسْتَقِيْمِيْ عَلَى عَزْمٍ يُنَجِيْـــــــكِ

واسْتَدِركِي فَارِطَ الأوْقَاتِ واجْتَهِدِيْ … عَسَاكِ بالصِدْقِ أنْ تَمْحَيْ مَسَاوِيْكِ

واسْعَيْ إِلَى البِرَّ والتَّقْوىَ مُسَارِعَةً … فَرُبَّما شُكِرَتْ يَومًا مَسَاعِيْــــــــــــــــــكِ

وَلَنْ يَتِمْ لَكِ الأَعْمَالُ صَالِحةً … إِلا بِتَركِــــــــــــكِ شَيْئًـــــــــــــــــــــــــا شَرّ مَتْرُوْكِ

حُبُّ التَّكَاثُرِ في الدُّنْيَا وَزِيْنَتهَا … فَهْيَ التِي عَن طِلابِ الخَيرِ تُلْهِيْــــــــــــــــكِ

لا تُكْثِريْ الحِرْصَ في تَطْلابِهَا فَلَكَمْ … دَمٌ لَهَا بِسُيُوفِ الحِرْصِ مَسْفُــــــــــوْكِ

بَل اقْنَعِي بِكَفَافِ الرِّزْقِ رَاضِيَةٌ … فَكُلَّمَا جَاَز مَا يَكْفِيْــــــــــــــكِ يُعْطِيْــــــــــــكِ

ثُمَّ اذْكُرِيْ غُصصَ الموتِ الفَظِيْع تَهُنْ … عَلَيْكِ أَكْدَارُ دُنْيــــــــــا لا تُصَافِيْـــكِ

وَظُلْمَةَ القَبُرِ لا تَخْشَيْ وَوَحْشَتَهُ … عِنْدَ انْفِرَادِكِ عَن خِلِ يُوَالِيْــــــــــــــــــــــــــكِ

والصَّالِحَاتِ لِيَوْمِ الفَاقَةِ ادَّخِرِيْ في مَوْقفٍ لَيْسَ فَيْهِ مِن يُوَاسِيْـــــــــــــــــــــكِ

وأَحْسِنِي الظَّنَّ بِالرحمنِ مُسْلِمَةً … فَحُسْنُ ظَنِّكِ بِالرحمــــــــنِ يَكْفِيْــــــــــــــكِ


إِنْ أنا بَقِيْتُ لَكَ أو فَنِيتُ…فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ ـ أَيْ بُنيَّ ـ وَلُزُومِ أَمْرِهِ، وَعِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ، وَالاْعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ، وَأَيُّ سَبَب أَوْثقُ مِنْ سَبَب بَيْنكَ وَبَيْنَ اللهِ عَزّ وَجَلَّ إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ!

أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ، وَأَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ، وَقَوِّهِ بِالْيَقِينِ، وَنَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ، وَذَلِّلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ، وَقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ، وَبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا، وَحَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَالاْيَّامِ، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ، وَذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الاْوَّلِينَ، وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ، فَانْظُرْ مَا فَعَلُوا عَمَّا انْتَقَلُوا، وَأَيْنَ حَلُّوا وَنَزَلُوا! فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ انْتَقَلُوا عَنِ الاْحِبَّةِ، وَحَلُّوا دَارَ الْغُرْبَةِ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَلِيل قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ.

فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ، وَلاَ تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ، وَدَعِ الْقَوْلَ فِيَما لاَ تَعْرِفُ، وَالْخِطَابَ فِيَما لَمْ تُكَلَّفْ، وَأَمْسِكْ عَنْ طَرِيق إِذَا خِفْتَ ضَلاَلَتَهُ، فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلاَلِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الاْهْوَالِ، وَأْمُرْ بالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَأَنْكِرِ المُنكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ، وَبَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ، وَجَاهِدْ فِي اللهِ حَقَّ جَهَادِهِ، وَلاَ تَأْخُذْكَ فِي اللهِ لَوْمَةُ لاَئم، وَخُضِ الْغَمَرَاتِ إلَى الحَقِّ حَيْثُ كَانَ، وَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ، وَعَوِّدْ نَفْسَكَ الصَّبْرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَنِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُّرُ، وَأَلْجِيءْ نَفْسَكَ فِي الاُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلهِكَ، فَإِنَّكَ تُلجِئُهَا إِلَى كَهْف حَرِيز، وَمَانِع عَزِيز، وَأَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ، فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَالْحِرْمَانَ، وَأَكْثِرِ الاسْتِخَارَةَ، وَتَفَهَّمْ وَصِيَّتِي، وَلاَ تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً، فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي عِلْم لاَ يَنْفَعُ، وَلاَ يُنْتَفَعُ بِعِلْم لاَ يَحِقّ تَعَلُّمُهُ.


وكُنْ بينَ خَوفٍ والرَّجَا عاملاً لِمَا ** تَخَافُ وَلاَ تَقْنَطْ وُثُوقًا بِمَوعِدِ

تَذَكَّرْ ذُنوبًا قَدْ مَضَيْن وَتُبْ لَهَا ** وَتُبْ مُطْلقًا مَع فَقْدِ عِلْمِ التَّعَمُّدِ

وبادِرْ مَتَابًا قَبْلَ يُغْلَقُ بَابُهُ ** وَتُطوَى على الأعمالِ صُحْفُ التزَوُّدِ

فحِينَئِذٍ لا يَنْفَعُ المَرْءَ تَوْبَةٌ ** إذا عَايَنَ الأَمْلاكَ أَوْ غَرْغَرَ الصَّدِي

ولا تَجْعَلِ الآمَالَ حِصْنًا فَإِنَّهَا ** سَرَابٌ يَغُرُّ الغافلَ الجاهلَ الصَّدِي

فَبَيْنَا هُوْ مُغْتَرًا يُفُاجِئُهُ الرَّدَى ** فَيُصْبحُ نَدْمَانًا يَعَضُّ على اليَدِ


أَفْنَيْتَ عًمْرَكَ والذُنُوبُ تَزِيدُ ** والكَاتِبُ المُحْصِي عَلَيْكَ شَهِيدٌ

كم قُلْتَ لَسْتُ بِعَائِدٍ في سَوْءَةً ** وَنَذَرْتَ فيها ثُمَّ تَعُودُ

حَتَّى مَتَى لا تَرْعَوِي عَنْ لَذَّةٍ ** وحِسَابُهَا يومَ الحِسَابِ شَدِيدُ

وَكَأَنَّنِي بِكَ قَدْ أَتَتْكَ مَنِيِّةٌ ** لا شَكَ أَنَّ سَبِيلِهَا مَوْرُودُ

أَخِي قَدْ طَالَ لبثُكَ فِي الفَسَاد ** وَبِئْسَ الزَّادُ زَادُكَ لَلْمَعَادِ

صَبِا مِنْكَ الفُؤَادُ فَلَمْ تَزَعْهُ ** وَجِدْتَ إَلَى مُتَابَعَةِ الفُؤَادِ

وقادَتْكَ المَعَاصَي حَيْثُ شَاءَتْ ** وَأَلْفَتْكَ امْرَءًا سَلِسَ القِيادِ

لَقَدْ نُودِيتَ لِلتِّرْحَالَ فاسْمَعْ ** ولا تَتَصامَمَنَّ عن المُنَادِي

كَفَاكَ مَشِيبُ رأسِكَ مِنْ نَذِيرٍ ** وَغالَبَ لَونُهُ لَوْنَ السَّوَاد


إِذَا أَتَى الله يَومَ الحَشْرِ في ظُلَلٍ … وَجِيءَ بالأُمَمِ المَاضِينَ وَالرُّسُلِ

وَحاسَبَ الخَلْقَ مِنْ أَحْصَى بِقُدرَتِهِ … أَنْفَاسَهُم وتَوفَّاهُم إلى أَجَلِ

وَلم أَجِدْ فِي كِتَابِي غَيْرَ سَيْئَةٍ … تَسُوءنِي وَعَسَى الإِسْلامُ يَسْلَمُ لِي

رَجَوْتُ رَحْمَةَ رَبِّي وَهي وَاسِعُةٌ … وَرَحْمَةُ الله أَرْجَى لِي مِنَ العَمَلِ


البخيل يستعجل الفقر الذي هرب منه… ويفوته الغنى الذي يطلبه …فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب حساب الأغنياء… فالبخيل هو الوحيد الذي يستبشر ورثته بمرضه وموته وتجده ليله ونهاره مستغرق في جمع المال لا يفتر خوفًا من الفقر وهذا هو الفقر كما قيل:

ومَنْ يُنْفِقِ السَاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ … مَخَافةَ فَقْرٍ فالذي فَعَلَ الفَقْرُ

وقال آخر:

يُفْنِي البَخِيْل بِجَمْعِ المَالِ مُدَّتَهُ … وِلِلْحَوادِثِ وَالوُرَّاثِ مَا يَدَعُ

كَدُوْدَةِ القَزِّ مَا تَبْنِيْهِ يَهْدِمُهَا … وَغَيْرُهَا بِالذي تَبْنِيْهِ يَنْتَفِعُ

آخر:

وذِيْ حِرْصٍ تَرَاهُ يُلِمُّ وَفْرًا … لِوَارِثِهِ وَيَدْفَعُ عَن حِمَاُه

كَكَلْبِ الصَّيْدِ يُمْسِكُ وهْوَ طَاوٍ … فَرِيسَتَهُ لِيَأكُلَهَا سِوَاهُ


تَنَامُ وَقَدْ أُعِدَّ لكَ السُهَادُ … وَتُوقِنُ بِالرَّحِيْلُ وَلَيْسَ زَادُ

وَتُصِبْحُ مِثْلَ ما تُمْسِيْ مُضِيْعًا … كَأَنَّكَ لَسْتَ تدْرِيْ مَا المُرَادُ

أَتَطْمَعُ أَنْ تَفُوْزَ غَدًا هَنِيًا … وَلَمْ يَكُ مِنْكَ في الدُّنْيَا اجْتِهَادُ

إِذَا فَرَّطْتَ في تَقْدِيمِ زَرْعٍ … فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ عَدَمٍ حَصَادُ


إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ … خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيْبُ

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً … وَلا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيْبُ

لَهَوْنَا لَعَمْرُ اللهِ حَتَّى تَتَابَعَتْ … ذُنُوبٌ عَلَى آثَارِهِنَّ ذُنُوْبُ

فَيَا لَيْتَ أَنَّ اللهَ يَغْفِرُ مَا مَضَى … وَيَأْذَنَ في تَوْبَاتِنَا فَنَتُوْبُ

أَقُوْلُ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيَّ مَذَاهِبِيْ … وَحَلَّ بِقَلْبِيْ لِلْهُمُومِ نُدُوْبُ

لِطُوْلِ جِنَايَاتِيْ وَعُظْمِ خَطِيْئَتِيْ هَلَكْتُ وَمَا لِي في المَتَابِ نَصِيْبُ

وَيَذْكِرُنِي عَفْوَ الكَريْمِ عَنْ الوَرَى … فَأَحْيَا وَأَرْجُوْ عَفْوَهُ وَأَنِيْبُ

فَأَخْضَعُ في قِولي وَأَرَغْبُ سائلاً … عَسَى كَاشِفُ البَلْوى عَلَيَّ يَتُوبُ


للهِ قومٌ أَخْلَصُوْا في حُبِّهِ … فَكَسَا وجُوهَهُمُ الوَسِيْمَةَ نُوْرًا

ذَكَرُوا النَّعِيْمَ فَطَلَّقُوا دُنْْيَاهُمُوا … زُهْدًا فَعَوضَهُم بِذَاكَ أَجُوْرًا

قَامُوا يُنَاجُونَ الإلهَ بِأَدْمُعٍ … تَجْري فَتَحْكِيْ لُؤلُؤًا مَنْثُوْرًا

سَتَروا وُجُوهَهُمُوا بِأَسْتَارِ الدُّجَى … لَيْلاً فَأَضْحَتْ في النَّهَارِ بُدُوْرًا

عَمِلُوا بِمَا عَلِمُوا وَجَادُوْا بِالذِي … وَجَدُوا فَأَصْبَحَ حَظهُم مَوفُورًا

وَإِذَا بَدَا لَيْلٌ سَمِعْتَ حَنِيْنَهُمْ … وَشِهَدْتَ وجْدًا مِنْهُمُوا وَزَفِيرًا

تَعِبُوا قَلِيلاً في رِضَا مَحْبُوبِهِم … فَأَرَاحَهُم يَوْمَ اللِّقَاءِ كَثِيْرًا

صَبَرُوا عَلى بَلْوَاهُمُوا فَجَزَاهُمُوا … يَوْمَ القِيَامَةِ جَنَّةً وَحَرِيْرًا

يَا أَيُّهَا الغِرُّ الحَزِيْنُ إِلى مَتَى … تُفْنِي زَمَانَكَ بَاطِلاً وَغُرُوْرًا

بَادِرْ زَمَانَكَ واغْتَنِمْ سَاعَاتِهِ … وَاحْذَرْ تَوانًا كَي تَحَوُزَ أَجُوْرًا

وَاضْرعْ إِلى المَولى الكَريمِ وَنَادِهِ … يَا وَاحِدًا في مُلكِهِ وَقَدِيْرًا

مَا لي سِوَاكَ وَأَنْتَ غَايَةُ مَقْصَدِي… وَإِذَا رَضِيْتَ فَنِعْمَةٌ وَسُرُوْرًا


نَبْنِي وَنَجْمَعُ وَالآثارُ تَنْدَرِسُ … وَنَأَمَلُ اللُّبْثَ والأعمارُ تُخْتَلَسُ

ذَا اللُّبِّ فَكِّرْ فَمَا في العَيْشِ مِن طَمَعٍ … لا بُدَّ مَا يَنْتَهِي أَمْرٌ وَيَنْعَكِسُ

أَيْنَ المُلُوْكُ وَأَبْنَاءُ المُلوكِ وَمَن … كانُوا إِذَا النَّاسُ قَامُوا هَيْبَةً جَلَسُوا

وَمَنْ سُيُوفُهُم في كُلِّ مُعْتَرَكٍ … تَخْشَى وَدُوْنَهُم الحُجَّابُ وَالحَرَسُ

أَضْحَوْا بِمَهْلَكَةٍ في وَسْطِ مَعْرَكَةٍ … صَرْعَى وَصَاُروا بِبَطْنِ الأَرْضِ واْنَطَمُسوا

وَعَمَّهُهُم حَدَثٌ وَضَمَّهُمْ جَدَثٌ … بَاتُوْا فَهُم جُثَثٌ في الرَّمْسِ قَدْ حُبِسُوا

كَأَنَّهُم قَطُ مَا كَانَوا وَمَا خَلَقُوْا وَمَاتَ ذِكْرُهم بَيْنَ الوَرَى وَنُسُوا

واللهِ لَو عَايَنَتْ عَيْنَاكَ مَا صَنَعَتْ … أَيْدِي البِلَى بِهِمُوا وَالدُودُ يَفْتَرِسُ

لَعَايَنَتْ مَنْظِرًا تُشٍجَى القُلُوْبُ لَهُ … وَأَبْصَرَتْ مُنْكَرًا مِنْ دُوْنِه البَلَسُ

مِن أَوْجُهٍ نَاظِرَاتٍ حَارَ نَاظِرُهَا … في رَوْنَقِ الحُسْنِ مِنْهَا كَيْفَ يَنْطَمِسُ


خُلِقْنَا لأَحْدَاثِ الليَالِي فَرائِسًا …تَزَفُّ إِلى الأَجْدَاثِ مِنَّا عَرائِسًا

تُجَهِّز مِنَّا لِلْقُبُورِ عَسَاكِرًا … وَتُرْدِفُ أَعْوَادُ المَنَايَا فَوَارِسًا

إِذَا أَمَلٌ أَرْخَى لَنَا مِنْ عَنَانِهِ … غَدا أَجَلٌ عَمَّا نُحَاوِلُ حَابِسًا

أَرَى الغُصْنَ لَمَّا اجْتُثَّ وَهْوَ بِمَائِهِ … رَطِيْبًا وَمَا إِنْ أَصْبَحَ الغُصْنُ يَابِسًا

نَشِيدُ قُصُورًا لِلْخُلُودِ سَفَاهَةً … وَنَصْبِرُ ما شِئْنَا فُتُورًا دَوَارِسًا

وَقَدْ نَعَتِ الدُّنْيَا إِلينَا نُفُوسَنا … بِمَنْ مَاتَ مِنَّا لَوْ أَصَابَتْ أَكَايِسًا

لَقَدْ ضَرَبَتْ كِسْرَى المُلُوكِ وَتُبَّعًا … وَقَيْصَرُ أَمْثَالاً فَلَم نَرَ قَائِسًا

نَرَى ما نَرَى مِنْهَا جَهَارًا وَقَدْ غَدَا … هَوَاهَا عَلَى نُوْرِ البَصِيرةِ طَامِسًا

وَقَدْ فَضَح الدنيا لَنَا الموتُ وَاعِظًا … وَهَيْهَاتَ مَا نَزْدَادُ إِلا تَقَاعُسًا


لَقَدْ عَفَتْ مِنْ دِيَارِ العِلْمِ آثَارُ … فَأَصْبَحَ العِلْمُ لا أَهْلٌ وَلا دَارُ

يَا زَائِرِيْنَ دِيَارَ العِلْمِ لا تَفِدُوا … فَمَا بِذَاكَ الحِمَى وَالدَّارِ دَيَّارُ

تَرَحَّلَ القَوْمُ عنهَا واسْتَمَرَّ بِهِم … مُشَمِّرٌ مِنْ حُدَاةِ البَيْنِ سَيَّارُ

قَدْ أَوْرَدَ القَوْمَ حَادِيْهم حِياضَ رَدَى … فَمَا لَهُم بَعْدَ ذَاكَ الوِرْدِ اصْدَارُ

لَهَفِيْ عَلَى سُرُجِ الدُّنْيَا الَّتِي طَفِئَتْ … وَلا يَزَالُ لَهَا في النَّاسِ أَنْوَارُ

لَهْفِيْ عَلِيْهِم رِجَالاً طَالَمَا صَبَرُوا … وَهَكَذَا طَالِبُ العَلْيَاءِ صَبَّارُ

لَهْفِيْ عَلَيْهِم رِجَالاً طَالَمَا عَدَلُوا … بَيْنَ الأَنَامِ وَمَا حَابَوْا وَلا جَارُوْا

مَالوُا يَمِيْنًا عَنِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتَهَا … لأَنْهَا في عُيُونِ القَوْمِ أَقْذَارُ

وَصَاحَبُوهَا بِأَجْسَادٍ قُلُوبُهُم … طَيْرٌ لَهَا في ظِلالِ العَرْشِ أَوْكَارُ

هُمُ الذِيْنَ رَعَوا لِلْعِلْمِ حُرْمَتَهُ … لِلْعِلْمِ بَيْنَهُم شَأَنٌ وَمِقْدَارُ

صَانُوْهُ طَاقَتَهُم عَنْ مَا يُدَنِّسُهُ … كَمَا يَصُونُ نَفِيْسَ المَالَ تُجَّارُ

وَأَحْسَنُوا فِيْهِ تَصْرِيفًا لأَنَّهُم … لَهُم مِنَ اللهِ تَوْفِيْقٌ وَإِقْدَارٌ

رَأوهُ كَالنَّجْمِ بُعْدًا لَيْسَ يُدْرِكُهُ … بَاعٌ قَصِيْرٌ وَفَهْم فيْهِ إِقْصَارُ


حَيَاتُكَ في الدُّنْيَا قَلِيْلٌ بَقَاؤُهَا … وَدُنْيَاكَ يَا هَذَا شَدِيْدٌ عَنَاؤُهَا

وَلا خَيْرَ فيْهَا غَيْرَ زَادٍ مِنَ التَّقَى … يَنَالُ بِهِ جَنَّاتُ عَدْنٍ وَمَاؤُهَا

بَلَى إِنَّهَا لِلْمُؤْمِنِيْنَ مَطِيَّةٌ … عَلَيْهَا بُلُوغُ الخَيْرِ والشَّرُ دَاؤُهَا

وَمَنْ يَزْرَعُ التَّقْوى بِهَا سَوْفَ يَجْتَنِي … ثِمَارًا مِنَ الفِرْدَوْسِ طَابَ جَنَاؤُهَا

نُؤَمِلُ أَنْ نَبْقَى بِهَا غَيْرَ أَنَّنَا … عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ المَمَاتَ انْتَهَاؤُهَا

فَكُنْ أَيَّهَا الإِنْسَانُ في الخَيْرِ رَاغِبًا … يَلُوحُ مِن الطَّاعَاتِ فِيْكَ بَهَاؤُهَا

وَجَانِبْ سَبِيْلَ الغَي واتْرَكْ مَعَاصِيًا … يُذِيبُكَ مِنَ نَارِ الجَحِيْمِ لَظَاؤُهَا


يَا غَافِلاً عَنْ سَاعَةً مَقْرُوْنَةٍ … بِنَوَادِبٍ وصَوَارِخٍ وَثَوَاكِلِ

قَدِّمْ لنَفْسُكَ قَبْلَ مَوْتِكَ صَالِحًا … فَالمَوْتُ أَسْرَعُ مِن نُزُولِ الهَاطِلِ

حَتَّامَ سَمْعُكَ لا يَعِي لِمُذَّكِرٍ … وَصَمِيْمُ قَلْبِكَ لا يَلِيْنُ لِعَاذِلِ

تَبْغِي مِنَ الدُّنْيَا الكَثيْرَ وإِنَّمَا … يَكْفِيْكَ مِنْ دُنْيَاكَ زَادُ الرَّاحِلِ

آيُ الكِتَابِ يَهُزُّ سَمْعَكَ دَائِمًا … وَتَصُمُّ عَنْهَا مُعْرِضًا كَالغَافِلِ

كَمْ لِلإلهِ عَلَيْكَ مِن نِعَمٍ تُرَى … وَمَوَاهِبٍ وفَوَائِدٍ وَفَوَاضِلِ

كَمْ قَدْ أَنَالَكَ مِن مَوانِحِ طَوْلِهِ … فَاسْأَلْهُ عَفْوا فَهُوَ غَوثُ السَّائِلِ


اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى