مقبرة الرجال والمال / منى الغبين

مقبرة الرجال والمال
وصف العراق بأنّه بلد المال والرجال وهو وصف دقيق لما يتمتع به العراق من إمكانيات مادية هائلة , وطاقات بشريّة عظمتها بنوعيتها لا بكثرتها إذ أنّ أهل العراق لا يشكّلون ما نسبته 10% من عدد العرب , ومع هذا فقد كانوا بحقّ جمجمة العرب , وما أحقهم بأبيات السموأل حيث يقول :
تُعَيِّرُنا أَنَّا قَلِيلٌ عَدِيدُنا … فقلتُ لها: إِنَّ الكِرَامَ قَلِيلُ
وما ضَرَّنا أَنَّا قَلِيلٌ وجَارُنا … عَزِيزٌ، وجارُ الأَكْثَرِينَ ذَلِيلُ
وما قَلَّ مَنْ كانَتْ بَقاياهُ مثْلَنا … شَبابٌ تَسامَى لِلْعُلا وَكُهُولُ
وإِنَّا لَقَوْمٌ ما نَرَى القَتْلَ سُبَّةً … إِذا ما رَأَتْهُ عامِرٌ وَسُلُولُ
يُقَرِّبُ حُبُّ المَوْتِ آجالنَا لَنا … وتَكْرَهُهُ آجالُهُمْ فتَطُولُ
وما ماتَ مِنَّا سَيِّدٌ حَتْفَ أَنْفِهِ … ولا طُلَّ مِنَّا حَيْثُ كانَ قَتِيلُ
تَسِيل على حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسنا … ولَيْسَتْ على غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
ذاك العراق فمالنا ومال العراق , وأين نحن من العراق ؟؟ ولكن ألسنا نحن امتداد للعراق ؟ أولم نتأثر بطبائع أهل العراق ؟؟ فكيف إن كنّا نقطة وصل بين الشام وإبداعها في شؤون الدنيا , والحجاز ونجد فيما تمثّله من صفاء ونقاء , والعراق فيما يمثّله من بطولة وعنفوان , وقديما قيل من جالس جانس , ونحن نجالس كلّ هؤلاء , فكيف نكون ممن يعانون من الفقر في المال والرجال ؟ فهل نحن في جوهرنا وطبيعتنا نمثّل تلك الصورة التي أريد لنا أن نظهر فيها ؟؟ وهي صورة المجاميع السكانية غير المتجانسة في بلد يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الطبيعية؟
وإن كان الأمر كذلك فكيف عاش فيه الناس وتعايشوا عبر القرون ؟؟ وهل كانوا متسولين على طريق الحاج يعتاشون على الصدقات الموسمية ؟ وتركهم ذؤبان العرب وغيرهم في هذه البقعة رأفة بهم , وتصدّقا عليهم ؟؟ وماذا عن حروبهم التي خاضوها عبر القرون دفاعا عن هذه البقعة لمن أراد أن ينزّحهم منها أو يزاحمهم فيها ؟؟ وكيف كانوا أهلا لتأسيس دولة أرادوها تكون نواة الوحدة للهلال الخصيب ثمّ لجميع العرب ؟ وكيف استطاعوا الصمود أمام تلك الرياح العاصفة الهوجاء التي قادها مهرجو أدعياء التقدمية في أقطار العرب والتي اكتملت بالتحاق الرجعية العربية بركبها في قافلة القطار الأمريكي في ذات يوم ؟؟ وهل كان ذلك الصمود الأسطوري كان بسبب الدعم الصهيوني كما يحلو للبعض أن يزعم ؟؟ أم كان بسبب التفاف شعب طليعي حرّ خلف قيادة كان يرى فيها الأهلية التي تجعلها تستحقّ أن تقود المسيرة وتواصل النضال لتحقيق الحلم الوحدوي , وليس أولئك المهرجين من أدعياء الثورية الذين لا يعرفهم العرب ولا يدرون من أي جحر خرجوا , وفي أي سفارة تدرّبوا ؟؟ والذي اثبتت الحوادث والأحداث اللاحقة صحّة نظر هذا الشعب بعد تلك النكبات والكوارث التي تسبب بها أولئك المهرجون ؟؟
وهنا نتساءل : شعب بهذه المواصفات , وهذا الوعي , وهذا الانتماء , وهذا الوفاء لماذا يتمّ مسخه حتى يصبح أضحوكة للآخرين ؟ ولماذا تدمّر إمكانيات وطنه الظاهرة , وتخفى ثرواته الباطنة _ ليظهر متسوّلا عائشا على صدقات الآخرين ؟؟ لماذا يستبعد رجاله وأبطاله لصالح التافهين والساقطين والسماسرة والدجاجلة ؟؟ ولماذا يحارب مواطنه في مصدر رزقه لصالح الشطّار والفجّار والمحتكرين ومصّاصي الدماء ؟؟
باختصار لماذا يصبح الأردن العروبي الطليعي ( مقبرة للرجال , ومضيعة للمال ) ؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى