الاحزاب السياسيه في الاردن ديكور ام واقع ؟
” جلَ الناس يتحزبون ولكن ليسوا كلهم حزبيين ”
انهيت دراستي الجامعيه الاولى بجامعه دمشق بتخصص الدراسات والفلسفية و الاجتماعية في اواسط ستينيات القرن الماضي , في وقت كانت كلمة فلسفة ومشتقاتها تستعمل في لغتنا الجارية بنوع من الاستخفاف . إذ غالبا ما يوصف الشخص الذي يتحدث بعبارات غامضة , ويأتي بأفكار غير مألوفة بانه يتفلسف او انه ” فيلسوف ” ومن اجمل ما قرات ” ان جل الناس يتفلسفون , لكن ليسو كلهم فلاسفة ” والفلسفه في الحقيقة لا تتوخى الغموض وإن نالها من هذه التهمة نصيب و إلا انها تتوخى الوضوح وتنشد الدقة في كل شيء . وهي عملية تساؤل مستمرة تعنى بالاسئله اكثر من عنايتها بالجواب وهذا ” كارل ياسبرز “الفيلسوف الوجودي الالماني يقول ” الاسئلة في الفلسفة اهم من الاجوبة وإن كل جواب صحيح يصبح سؤالاً جديدا ”
وان الدأب على إلقاء الاسئلة ليس عملا خاصا بالفيلسوف وحده . بل إن الناس جميعا يتساءلون صغيرا وكبيرا ,فخاصية إثارة الاسئلة هي اصيلة في الانسان منذ مراحل حياته الاولى ولكننا لا نستطيع ان نعتبر اسئلة الاطفال والاشخاص العاديين تفلسفا , وذلك لان طبيعة السؤال الفلسفي يتصف بأن الانسان يسأل نفسه محاولا استعمال عقله للوصول الى الحقيقة ولا يقبل اي جواب إلا اذا اطمأنت اليه نفسه واقتنع به فكره بينما واقع الحال عند الاطفال والعاديين يسألون غيرهم ممن يعتقدون انهم اكثر منهم علما ودراية .
وهكذا فإن الفيلسوف شخص يتساءل كبقية الناس يضع كثيرا من الامور الواضحة موضع السؤال كما يفعل جلُ الناس , ولكنه يتميز عنهم بالاستمرار في السؤال وطرح المشاكل الفكرية كما انه يتجاوز المشاكل الجزئية الفرعية والارتفاع بأسئلته الى مستوى المشاكل العامة .
وعلى هذا الاساس فإنه ينظر الى الفيلسوف على انه ذلك الشخص الذي يتحرر مما يشده الى الواقع اليومي , وينسلخ من خضم الحياة الجارية لينصرف الى التفكير والنظر في شؤون الكون والحياة وفي الانسان ومصيره .
وحال التحزب في الاردن هذه الايام كحال التفلسف , ونال الحزبيية ما نال الفلسفة من نظرة لا تخلو من السخرية والاستخفاف وغالبا ما يوصف الاشخاص الذين يتحدثون بالحزبية بأنهم يأتون بأفكار خيالية طوباوية بعيدة المنال والتحقق ومع ذلك نجد غالبة الناس يتحدثون عن الحزبية ومشغلهم الشاغل ويطرحون تساؤلات حول اهدافها وغاياتها ويجدون في سبيل تحقيق هذه الغايات و وضع حلول لقضايا تهم الانسان كما تثار الاسئلة العديده حول فلسفتها واهدافها وغاياتها ومناهجها واساليبها في معالجة القضايا الهامة المتعلقة بالانسان ووجودة ولسان حالهم كلسان حال من طرح الاسئلة حول الفلسفة . وهنا نستطيع القول بأن جلً الناس يتحزبون ولكنهم ليسوا كلهم حزبيين .
وبعد صدور قانون الاحزاب بادر عدد من المتنفذين بتاسيس احزاب والاهتمام بكسب الكثير من المناصرين لافكارهم وطروحاتهم وتطلعاتهم حول الحزب الى درجه نجد ان غالبيه ما اسس منها اصبحت معروفة ومشهورة باسم امينها العام المتمتع بنفوذ مادي ومعنوي . مما حدا بكثير من الاشخاص الانتساب طمعا لتحقيق مارب خاصة شخصيه مثل وظيفة او عمل او بعثة دراسية …….. الخ
وبدأت الاحزاب بطرح نفسها على الساحة الاردنية تحت مسميات عدة ضمن برامج واهداف ورؤى خاصة وكلها تتغنى بتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص وغيرها من الشعارات التي تجول في خاطر المواطن الاردني .
ونشط الاعضاء المؤسسون في تنسيب عائلات وأسر بحالها بغض النظر عن النوعية طمعا في تجميع اكبر عدد ممكن من الاعضاء ليحققوا الرقم المطلوب حسب قانون الانتخاب .
وعند ممارسة الاحزاب لانشطتها وجدناها عاجزة عن تحقيق ما طرحته من برامج وانغلقت على نفسها وتاهت في اختلاف الاراء فيما بين اعضائها وقياداتها بسبب تعدد الاتجاهات والافكار لدى اعضائها حسب خلفياتهم الثقافية وانتساباتهم السابقة لاحزاب اخرى بالاضافة الى عدم توفر ابجدية تفاهم متفق عليها توحد جميع هذه الاتجاهات لتخرج بافكار ولغة عامة توحد ولا تشتت تجمع ولا تفرق ولذلك وجدنا ونجد انقسامات وخلافات متتالية لدى الاحزاب مما ادى استقالات وانسحابات وانقسامات عائلات واسر ممتالية لديها
مما ادى الى انقسامات استقالات جماعية وانسحاب عائلات واسر برمتها واستقالة كل من كان طامحا بتحقيق غرض خاص وحدوث اختلافات في الراي طفت على السطح أدت الى خلاف مما زعزع ثقة الناس بها وجعلهم مترددين للانتساب والانخراط بها
إن الحزب في الاصل حاله كحال الفيلسوف الذي نذر نفسه من اجل التفكير بالمجتمع وطرح الافكار التي تعمل على اسعاده وافراده والاهتمام بمصيرهم والعمل على ان يكون المجتمع متكاملا متضامنا بينما نجد ان غالبية من انتسب قد وضع نصب عينيه تحقيق مارب شخصية ذاتية وهذا لا يتفق مع طموحات افراد المجتمع .فالمجتمع يتطلع الى وجود احزاب ذات منهج ورؤى منطلقة من تطلعات وطموحات المجتمع حاملة على عاتقها هم المواطنيين والدفاع عن حقوقهم ومحاربة جيوب الفقر والقضاء على الفساد بكل اشكاله والمحسوبية و الجهوية .
وانني في هذا المقام أدعوا الباحثيين الغوص في أعماق الأحزاب , ودراسة العوامل والاسباب التي ادت وتؤدي الى العزوف عن الانخراط بها ودراسة الاسباب التي ادت الى ظهور هذه الاحزاب بهذه الصورة التي لا ترقى الى طموحات الناس والتي انحسر وينحسر دورها في الجانب التنظيري وان كان لها منهج ورؤية فانها تبقى مجرد موضوع إنشائي بعيد عن التطبيق وادعوا ايضا الى اجراء دراسة مقارنة مابين حال احزاب اليوم وحال احزاب عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي .
واما بالنسبة للتساؤل :
هل الاحزاب السياسية ديكور ام واقع ؟
فإنها قضية جدلية “ديالكيتكية ” تخضع للراي والراي الاخر ولن نصل فيها حد الاجماع او الاتفاق فهي من حيث انها ديكور فيهي كذلك فقد انشئت بعد صدور قانون الاحزاب وقد حصلت على الترخيص ونكون بذلك قد حققنا امام العالم بانه يوجد في الأردن أحزاب وهنالك مقرات لها تحمل يافطات باسمائها وزوارها يقتصر على البعض من اعضاء المكتب التنفيذي والمجلس المركزي
واما من حيث انها واقع , فما ان ارست قواعدها وحصلت على الترخيص وجاء دور الممارسة و التطبيق فإنها إصطدمت بالاتجاهات المتناقضة و المتواجدة في داخلها فبدأت عمليات المد والجزر والشد و الوصل وتاهت في البحث عن هويتها هل هي احزاب معارضة ام محافظه ام وسطية وكل مدلول من هذه المدلولات غير واضح المعالم كما وجدت نفسها محدودة الحركة والنشاط مكبلة بضيق الحال وقلة المال اللهم إلا …. الاحزاب المرؤوسة من اصحاب النفوذ والمال واقتصرت ادوارها على استحياء باصدار بيانات واقامة مهرجانات ومعارض وندوات برعاية بعض السياسيين الذين كانوا صناع قرار في البلاد وادت سياساتهم المتعاقبة الى الضائقة الاقتصادية فأوقعت البلاد في احضان قسوة البنك الدولي .