مذكرات مهمش (1) / عمر بدور

مذكرات مهمش (1)

عمر بدور

كلما جلس “صاحبنا” ليخط مذكراته، داهمته نفسه الأمّارة بالسوء هامسةً بأنه شخصٌ على جانب كبير من الأهمية ليحكي للعالم ما مرّ به عبر خمسة عقود من الزمان! لكنه، ومع كل سطر يكتبه، كان يضبط نفسه متلبساً بالكذب على قارئ مفترض سيأتي بعد رحيله..

فكيف له أن يتغاضى عن خطاياه ومصائبه التي اقترفها على مر السنين؟ وكيف سيقنع العالم بأنه كائن ملائكي بلا شائبة، في حياةٍ يعلم هو قبل غيره أنها كانت حافلة بالشطحات والمعاصي؟ كان يواسيه دائماً أن الله قد سترها، فلماذا ينبشها؟ ولكن، أين المصداقية إن هو تستر على عيوبه وأبرز محاسنه فقط؟!

مقالات ذات صلة

وهنا تحديداً، كان يتدخل شيطانه الخاص، يربت على كتفه ويسخر بلهجة عامية لا تخلو من تهكم: “يا رجال.. هو في حدا سائل عنك أصلاً حتى يقرأ مذكراتك ومآسيك، وزعرناتك وشطحاتك، وما آلت إليه أمور مسيرتك الحياتية؟!”.

ورغم كل شيء، لم يكن صاحبنا شريراً؛ فلم يذكر أنه ظلم أحداً دون أن يحاول تجميل أيامه، أو يزرع ابتسامة تعوض ذاك الظلم (إن وقع). وحتى لو ارتكب ظلماً يوماً ما، فقد كان يراه “ظُلماً مشتركاً”؛ حيث ظلم كلاهما نفسه، وتمت التصفية والمسامحة في الدنيا، وبقي ما عند الله عنده إلى حين اللقاء.

اليوم، يقرر هذا “المهمش” أن يرفع الستار قليلاً، ليشرح ما خفي من حياةٍ أوصلته إلى ما هو عليه الآن. يكتب كمن يقدم عربون اعتذارٍ للعالم الذي عاشه، باحثاً في بداياته عما يشفع لنهاياته التي باتت على المحك.. وهو يضع قدماً مترددة على أعتاب العقد السادس.

… وللحديث بقية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى