
مدللتي
منذ أسابيع تلازمني حالة من الإغلاق الكتابي ، ارتبطت بموجة من الغضب ، ووابل من الأفكار والخيبات ….على إثر ما تمت تسميته حراكا انتخابيا، أشرفت علية هيئة انتخابية مستقلة ،كانت الأبعد عن صفة ” مستقلة ”
للأسف كنت في قلب الحدث وتفرجت على ما دار حولي ، اكتفيت بالتهام المشاهد ، والتوغل في تفاصيلها …أودت بي تجربتي إلى الإصابة بحمى اللاجدوى والشعور بالعدمية ….
لاجدوى من القسم على تمضية الانتخابات بنزاهة ….ولا جدوى من أن بلتزم المواطنون بالشفافية والمسؤولية تجاهها …..أموال كثيرة تم هدرها ، وأعباء وزمن مقتطع …لنعود أخيرا إلى سؤال ملح : هل انتخب الشعب الأردني ؟
و يبقى هذا السؤال أمانة تلح في ضمير كل مواطن … إلى حين يبعثون .
كل صباح أستفتح نهاري بجولة على سواليف ،أخبارها ، مقالاتها ، فقد أصبحت ” سواليف ” مدللتي أصبح على قبلة في وجنتيها ، أخاطبها وتخاطبني ، أبث لها وتشكو إلي ،تواسيني مرات كثيرة ،تعاندني أحيانا ونضطر كثيرا للاستسلام معا ….
أقرا بعض مقالاتها ما يجعلني أصفق احتراماً وانحني إجلالاً ، يطالعني بعضه بغثه فأدهش وأدرك كم هي سواليف رحبة الصدر حين تفرد للجميع مساحة للبوح واكتشاف الذات.
أصبحت أؤمن أن كاتبةً واعدةً مثلي بحاجة لأن تظل حبيسة عالمها الإفتراضي ، ذلك العالم المثالي المرهف الملون كتلك السجادة الأصفهانية المزركشة ، أو تبقى حالمة بالسير على طريق محفوف بالشجر والرياحين ، عابقاً بالند وفاخر البخور ذلك الطريق المغرق بالجمال والطهر …قوافل الحجيح على طريق الشام …..
وثمة طريق مازلت أذكره تماما ،وأنا زائرة للرمثا كل يوم ،طريق عين راحوب إلى وادي الشلالة ، في يوم شتائي عاصف ، حيث كان الضباب يغرق المكان في مجاهيل مطلقة ، فتبدو الحافلة وهي ملئى بالركاب ، على طريق وعر ومتعرج وكأنها معلقة بين الأرض والسماء ، كأنها الطريق المؤدي إلى الجنة ، ولكن بحثا عن لقمة عيش هاربة ….
وبت أدرك تماما أن غوص الكاتب المرهف في شؤون الناس ، وملاصقة مشاكلهم وتتبع زلاتهم ، ذلك الغوص والملاصقة والتتبع اللا إرادي ،يؤدي به إلى فقدان بريق الفكرة ولذة الدهشة ، التي يحتاجهما لألقه الكتابي وتوهجه العاطفي !!
أما تلك الأعباء المالية ، فتلك حكاية أخرى ، لأن الفقر” ووالله ”
الفقر مجبنة الكتاب ، ومقبرة الرؤى وجرأة الفكرة ، الفقر ميدان الغلابى ، ممن يتقنون لغة الحسبنة والحوقلة ، أمام طغيان الكبار ، وابتلاع الحيتان ، والتراقص في كفتي ميزان أعوج ، مضطرب يعكس العدالة المتفلتة وتوغل الفساد …
اكتشفت اليوم أن هناك من يبحث في سواليف عن حرف جديد أبثه ، أو بوح أدب حاضر ألوذ به ، مصابين بحالة تلبس روحي لما أكتب ،يفرحون لفرحي ، ويحزنون لكربي ، ربما أدخلت الخذلان إليهم…فعفواً… فعفواً…
وأدركت أن فيضا من المسؤولية تلزمني اتجاههم ، كمسؤوليتي أمام طالبات الثانوية اللواتي يعلقن نجاحهن بنشاطي …
أو مسؤوليتي تجاه طفلتي ذات العشرة أعوام ، حين تمر علي كل ليلة ، وقبيل نومها لتأخذ حضنا عميقا وقبلة …تلك التي صدمت يوماً ما حين عدت متأخرة وقد نامت محتضنةً لعبتها ….
وعموما لئن كانت الكتابة* كما قال بعضهم * مشاريع ولادات فكرية ، فكم أخشى أن تودي بينها رداءة الأحوال، والصدمات المكرورة ، إلى إغلاقات كاملة ….
فقد كاد صاحب القلم أن يصير عقيما …..




