
كل صباح بوردة
في جبل اللويبدة كان لقاؤنا . المبنى قديم ، ينفتح على الشارع ببوابة صغيرة ، ومسطبة صعدتها الاف الاقدام . على الناصية اليمنى ياسمينة نثرت عطرها بعدل . في الطابق الثاني مكتب المديرة ، هدوء ونظافة لافتتان ، بوابة المكتب انيقة ، تكاد ترقب الاشياء وتغرق في لغة مكتومة ، دققت الباب وانزلقت داخلا وتحت ابطي ملف اصفر . اللقاء الاول لا ينسى ، وما تبقى من لقاءات تظل يتيمة تبحث عن ام . اشارت بيدها ، وجلست على مقعد وثير .
اهلا بالاستاذ الجديد .
ما تخصصك ؟
لغة عربية .
وهل تتقنها ؟
ليس بعد ، كلما ادركت شيئا ضاع مني شيء . مدت يدها الى علبة “السلك كت” ، اخرجت سيجارة ، وضعتها بين اصابعها ، ثم رفعتها ببدلال الى اعلى ، وغرستها بين شفتيها . شعلة النار تنفتح وتقترب نفس ، نفسان ، ثلاثة ، وخيط راقص من الدخات يتعالى ، يمتد فوق راسها تماما ثم ينفرج الى دوائر داكنة ، تتصاعد الى دوائر لا تنتهي . منذ ساعات لم ادخن ، بالكاد احمل اجرة الطريق ، تعيد نظرها في المعلم وتغرق في شيء ما . تنفجر عندي حالة الاستحضار ، تغيب الدنيا واملأ صدري بدخان فاخر ، تتوحد الانفاس ، تهبط وتصعد في نسق جميل ، يموت الجوع ، وينساب الدم رائقا في الجسد .
استاذ ، ، منذ دقائق لم تتكلم ، يبدو انك رحت الى زمن اخر .
ابدا ، غرقت في حالة استحضار .
وهل تملك هذه القدرة ؟
الى حد ما .
اية مدرسة تختار .
في الواقع تعبت ، ليتني اعمل هنا . صدمتها الامنية لكنها بدت متماسكة
وماذا تعمل ؟
انظف الطاولة ، اعيد توضيب الكرسي ، وساهتم كثيرا بتلك الزهور المنتصبة في الزاوية البعيدة ، اعدك ان اضع كل يوم وردة ، ساشتريها من وسط البلد ، سازرعها في قلب حقلك . تبتسم المديرة بخجل ، تتناول قلما ثم تكتب شيئا ….. الى رئيس شؤون الموظفين . وقبل ان اغادر يأتي صوتها : من غد ستكون هنا . ولا تنسى : كل صباح بوردة .

