
“سيستم فورمات”
د. علي المستريحي
عندما يغصّ جهاز حاسوبك لأذنيه بشتى صنوف الفيروسات، وعندما تحاول أن تفتح ملف (وورد) فيطلع لك (بيتماب ايميج) مشوّهة ومتكسّرة، وعندما تحاول فتح صفحة انترنت جديدة، تطردك ملاحظة مرعبة تحذرك من مغبة الاستمرار وأن عليك العودة حيث أتيت، وعندما تصل بشق الأنفس لموقع على الشبكة لطلب المساعدة بالحل، يخرج عليك المعلقون من حملة المباخر بالتوبيخ واللعنة واتهامك بالسذاجة وأنك تفتقد الصبر على المشكلة كما يفعلون هم، وعندما تفتح صفحة موقع حكومي، يظهر لك الشريط العلوي مبعثرا مشتتا ثم تغط الصفحة بسبات عميق وتدخل مرحلة التجمد إلى ما لا نهاية، وعندما تضغط على زر (ريفريش) تبقى تلك الدائرة اللعينة تلف وتدور إلى الأبد دون جدوى كمحراث ساقية الماء، وعندما تشكو همك للعلن، تنهال عليك عروض التجار الرخيصة كي تبيع، يقولون لك “أرح رأسك وبِعْ كما باع غيرك”، وعندما تحاول الكتابة للشركة المصنّعة، لا تدري إن وصلت رسالتك، أو أنها وصلت لجهة غامضة وماتت هناك .. حينها، حينها فقط تعلم أن نظام التشغيل لجهازك قد خرج عن السيطرة وطاله العطب والشلل التام .. حينها، وحينها فقط يكون لديك خيارات ثلاثة: أولها، عمل (ريستور سيستم) للجهاز لنقطة زمنية مرجعية، ثانيها، إعادة (فرمتة) الجهاز والبدء بصفحة جديدة، أما ثالثها، فالتخلص من الجهاز المعطوب واستبداله بآخر.
لكل خيار من هذه الخيارات مشاكله، لكن لا مفر من الاختيار. فالخيار الأول جربناه، فأعادنا عشر سنوات مضت، وهو الحد الأقصى الذي يتيحه الجهاز لنقطة زمنية مرجعية، فظلت المشكلة، بل وتفاقمت، وكنا نحتاج أن يعيدنا الجهاز عشرين سنة خلت، عندما كان الجهاز بصحة لا بأس بها، وكنا راضين قنوعين به.
الخيار الثالث مكلف علينا، مكلف جدا، ونحن لا نملك ترف الاستبدال، كما أن الجهاز كان رفيقنا برحلة المسير، بنينا معا ذكريات من التعب والمرارة وملح العيش. العلاقة روحية بيننا، لا أحد يفهمها غيرنا، ولا يفهمها التجار ولا السماسرة، ولا يقدرها مندوبو المبيعات ولا قناصو فرص التخفيضات عند الأزمات، ولا يفهمها من يبيع ويشتري كل يوم جهازا بحجم ما يتسع إليه جيب بنطاله!
اذن هو الخيار الثاني .. الخيار الثاني ليس غيره .. إعادة (فرمتة السيستم) والبدء بصفحة جديدة!


