مبتدأ وخبر

#مبتدأ_وخبر

د. #هاشم_غرايبه

المبتدأ: في أواخر حكم الدولة العثمانية، ضعف الحكم المركزي بتولي جمعية الاتحاد والترقي العميلة للمخابرات البريطانية الحكم، فكثرت الضرائب وقلت الخدمات، ولتقليل الكلف الإدارية، لجأ الباب العالي الى ما سمي “الباجية”، وهي تفويض شخص من المتنفذين المحليين بجبي الضرائب لصالحه، على أن يدفع للدولة مبلغا مقطوعا، وبالطبع كان ذلك الشخص يجتهد في جمع أضعاف ما يدفعه، فيبث رجاله في الأسواق ويتقاضوا من كل بائع ربع ما يجنيه.
بالطبع شل ذلك الأسواق، وركدت الحركة التجارية، وعم الفقر.
آنذاك جاء أعرابي الى المدينة بخروف ليبيعه، وفي طريقه الى السوق مر بمحل حلويات، فوقف يتأمل فيها ولعابه يسيل، دعاه البائع فقال: ليس معي مال، سأعود بعد أن أبيع الخروف، فسأله: بكم ستبيعه، فقال: سعره في السوق خمسة دنانير، لكني لن أقبض بعد الباجيه والرسوم إلا دينارين.
فقال له بائع الحلوى: أنا اشتريه منك بثلاثة، على أن تشتري منها من عندي حاجتك.
فرد عليه الأعرابي: بل أعطيك إياه على أن آكل من حلوياتك حتى أشبع.
وافق البائع فورا، إذ قال في نفسه: يا لغفلته، فلا أحد يمكنه أكل رطل (يعادل 3 كغم) والذي قيمته نصف دينار؟.
أشبع البائع سدرا من الكنافة بالقطر وقدمه له، وبعد أن كاد يجهز عليه طلب الأخر، فقال له وهو يأمل أن يشبعه السدر: أكمل الذي أمامك أولا، فرد عليه: لا عليك، سآكله والثاني والذي يجي بعد.
الخبر: تشبه أحوال الأقطار العربية الآن حال أواخر الدولة العثمانية، فكل الأنظمة تتبارى في الجباية من مواطنيها، وتخترع كل يوم مسمى ضريبة جديد، وأصبح معروفا أن الحكومات التي تعينها الأنظمة، تأتي وتذهب وهي تعلم أن صلاحيتها الوحيدة هي في الجباية، ويرضى رأس النظام عنها كلما حصّلت أكثر.
في الأردن، كما في باقي الأنظمة العربية، بات الشغل الشاغل لكل حكومة، هو البحث عن مسميات جديدة لجبايات أخرى زيادة على تلك التي أنقضت ظهر الشعب، وبالمقابل لا نسمع عن أية فكرة استثمارية للموارد الطبيعية أو مشاريع تفتح فرص عمل لتشغيل العاطلين عن العمل، أو مشاريع بنية تحتية تحفز على الاستثمار ..أو .. أو غير ذلك مما يحقق تحريك الاقتصاد الراكد، فبعد بيع كل موجودات الدولة الانتاجية، لم يبق من مصدر دخل للخزينة غير جيوب المواطنين!.
لذلك يتم احتكار استيراد وتكرير النفط من قبل الدولة، التي تتقاضى أسعارا للمنتجات النفطية باكثر من ضعف الكلفة، وتدعي أنها تراجع هذه الأسعار شهريا لتعديلها صعودا أو هبوطا بحسب تقلبات السوق العالمي، لكنها فعليا عندما تخفض السعر يكون بمقدار خمسة فلوس لكل ليتر، وعند الرفع يتراوح ما بين 30 الى خمسين فلسا، حتى باتت أسعار الأردن ثاني أعلى الأسعار عربيا، وحاليا انخفضت أسعار النفط عالميا خلال الشهرين الماضيين الى حوالي الستين دولار للبرميل، لكن الحكومة منذ ثلاثة أشهر أبقت على أسعاره عندما كانت ثمانين دولارا.
أما أسعار الماء فقد رفعتها حوالي ثلاثة أضعاف بحجة تعويض الفاقد جراء السرقة من الخط الرئيس من قبل أصحاب النفوذ المؤلفة قلوبهم، ورغم أنهم يفعلون ذلك جهارا نهارا، لكنهم محميون من المساءلة، فتلجأ الدولة الى تعويض الفاقد بتوزيعه على جيوب الفقراء.
والشيء ذاته يتم في تسعيرة الكهرباء التي رفعت بأكثر من 50 %، وأنعمت على ذوي الاستهلاكات القليلة بخصم دينارين من الفاتورة!، وبسبب كثرة من يستعملون الطاقة الشمسية التي وجدت الدولة أنها تنجيهم من هذه الجباية، فقد لاحقتهم بفرض ضريبة شهرية على كل مستعمل لأشعة الشمس لانتاج الطاقة النظيفة!.
قد يسأل البعض سؤالا ساذجا: لماذا في كل ضريبة جديدة يقال أن ذلك لتسديد عجز الموازنة، وتجبى الضرائب القديمة والجديدة، ويبقى العجز ذاته.
الإجابة إن هنالك ثقبا أسود يبتلع كل شيء، وهو الفساد المحمي من المساءلة، وهذه هي “الباجية” بحلة معاصرة.
الدولة العثمانية لم تسقطها ثورة الشريف حسين، ولا الدعم البريطاني لهم، ما أسقطها هو التعفن من الداخل نتيجة تآمر الفاسدين مع المفسدين.
هذا الفساد النهم الذي لا يشبع، يأكل كل شيء.. الثاني والذي يجي بعد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى