

لو حكينا (2) آخر الشتاء ……
أصدق قصص العشق في القرية كانت تنبت أواخر الشتاء، حينما تتشبع الأرض من غيث السماء،ويمتزج دفء حديدها ببرد الأنواء ، وتصبح السماء نبيذية اللون، والأرض تضج بالحياة ……
تطلب الأرض أبناءها في دورتين :
حين تزاوج الأرواح في رحمها، وتبث شغفها في شقين يلتقيان …فيعتنقان ويكتملان ، وقد لا يلتقيان ..عندها ينشطران لكن يظلان متوهجين ، في حالة بحث دائم ودهشة دائبة لا تنتهي …..
ثم بعد حين تطلب الأرض أبناءها لتضمهم ضمتها الأخيرة ..لتريحهم من ضنك الحياة ووسخ الأيام ، فتعدهم للبعث والنشور من جديد ….
كدورة الأزهار والشجر هي دورة البشر …..
بعد الشتاء تبرعم الزهور ، وتخضر الأرض ، وتكتسي الأشجار …تبدو الأزرار في جوانح الأغصان كنهود العذارى .يتلون الوجود من حولها بالوردي والبنفسجي والأخضر والأحمر وبكل لون …..
تتباهى الأرض لكل الوجود بمنحة الجمال ، ويتحول حفيف الشجر لموسيقى عذبة تشاركها الطيور تغريدها …فتشعل هذه اللوحة الكاملة الرغبة في قلوب مريديها …ويتحول الزمان إلى موسم حب وحصاد …تحمر فيه وجنات الصبايا ،وتتراقص الآمال في القلوب العطشى المتنظرة لمواسم الفرح…..
************
دهشة اللقاء….
ذات صباح نبيذي من تلك الصباحات ، وقعت عينيه عليها ..
طفلة في الثالثة عشر من عمرها ، كبرعمة زهر في حضن شجرة لوز عتيقة …كانت الأيقونة الفريدة المخبوء سرها ، المنتظر فوحها ، المتأمل نفحها ، المأمول عطاؤها ،المؤكد والمقدس طهرها ….
نظر عمر إليها نظرة المتفحص الذكي ، بهية غريرة فطيرة ..في حين كان شاباً مجرباً خبيراً يكبرها بأكثر من عشر سنين .
لم يكن شبان القرية وعياً وخبرةً كما كان عمر …..
فقد خرج من تجربة حرب خاسرة …لكنه تعلم منها الكثير ..
الدرس الأقوى : هو حب الحياة ، وكيف يعيشها ، كان يعرف جيداً، من أين تؤكل الكتف !
فقد رأى الموت مراراً ونجا منه ، وشاهد بأم عينه من يموت جرّاء الغدر والخديعة ….
ثم سافر في بعثة عسكرية إلى الكويت ، اكتسب منها الكثير من المعارف والتجارب .
الطفولة البائسة ، والهزيمة والسفر ،كانوا رفقاء عمر طيلة حياته ، لكن( سلوى) كانت شيئاً مختلفاً تماماً ، كانت شمساً أضاءت لعمر عمره وحياته ، كانت ساطعةً لدرجة تعريته .!جميلة جداً ظهر جانبها قبحه ! بريئة جداً لدرجة فضحه وتعريته …
كان الناس في القرية لا يتورعون ، يبيعون البنات بصكوك الزواج ، بعض الفتيات تم تزويجهن ( أقصد بيعهن ) للسعوديين على التخوم الأردنية السعودية ، أغلبهن كانت صلتها بأهلها تنتهي بمجرد توقيع العقد ،أو بالأحرى البصم على العقد !!
القليلات منهن كانت تحظى بزيارة للأهل كل عام ،تأتي محملة بالهدايا التي تبدو هجينة ثمينة ، والأغرب حين تأتي برضيع هجين يظل غريبا ، حفيداً وليس حفيداً !!
كان عمر الأكثر حظوة حينما امتلك جميلة جميلات القرية ،وكان الظاهر لأهل القرية جميعهم أن سلوى ذات الحظ الأوفر بعريس جندي عائد للتو من الكويت ، بدنانير كويتية ،وقصص وحكايا لا يعلمها أحد من أهل القرية أو من يجاورها ، في حين كان السفر إلى عمان حلما يراود شبانها الكادحين ، فالسفر حكر على ذوي الجيوب العامرة ، من الملّاك …الجيوب المضمخة بعرق الغلابى والقطاريز .
وهكذا بدا الأمر بالنسبة لسلوى الحالمة كقصة مسلية تشبه قصص ألف ليلة وليلة ، بطلتها وصاحبة عرشها هي ، في حين يرويها لها شاب وسيم ، ممتلئ الكتفين ، ممشوق القامة ،مشرق الجبين ، سيرويها حتما لجميلته بعذوبة منطقه ، وذات السحر في طلعته، لن تقتصر على ألف ليلة ،فقد تتجاوز الألفين ، لياليها مفتوحة الزمن ، كرؤيتها للحياة ،هكذا أفقاً مفتوحاً، لا الأفق يدرك مداها ولا الليلة تنتهي بصياح ديك .
وبدا الأمر لعمر مشروع امتلاك ، واجتياح لذات امرأة جميلة ،أجمل ما فيها طفولتها .
