لماذا لا يبدأ الاستثمار على الأرض في سوريا

ما بعد #العقوبات, لماذا لا يبدأ #الاستثمار على #الأرض في #سوريا، غياب #الاستقرار، ورأس المال الجبان

بقلم : المهندس محمود “محمد خير” عبيد

منذ عقود، تُختزل أزمة الاستثمار في سوريا في شماعة واحدة سهلة الترديد هي العقوبات الدولية. يُقال إن البلاد لم تُعمَّر لأن العالم أغلق أبوابه، وإن رأس المال لم يأتِ لأن القوانين الدولية حالت دون ذلك. غير أن هذا التفسير، رغم شيوعه، لا يصمد أمام الوقائع التاريخية ولا أمام التجربة السورية نفسها، بل يُستخدم غالبًا للهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية الكامنة في الداخل.
فالحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن سوريا كانت خاضعة لعقوبات منذ عام 1979، أي منذ أكثر من أربعة عقود، ومع ذلك لم تكن هذه العقوبات يومًا حاجزًا مطلقًا أمام التطور أو الاستثمار أو الإعمار. ففي تسعينيات القرن الماضي، ومع مطلع الألفية الجديدة، شهدت البلاد حركة عمرانية واستثمارية واضحة شملت مشاريع سياحية كبرى وفنادق عالمية ومجمعات تجارية وبنى تحتية توسّعت رغم القيود الدولية. شُيّد فندق فورسيزونز في ظل العقوبات، وانطلق مشروع البوابة الثامنة في يعفور في منتصف العقد الأول من هذا القرن، ولم يكن المستثمرون آنذاك أكثر شجاعة أو أقل وعيًا مما هم عليه اليوم، بل كانوا ببساطة يقرأون الواقع كما هو: بيئة داخلية مستقرة نسبيًا، وأفق سياسي وأمني مفهوم، حتى وإن لم يكن مثاليًا.
ولو كانت العقوبات وحدها هي العائق الحقيقي، لما توقفت مشاريع كبرى من داخل النظام نفسه. فندق الانتركونتيننتال في أرض كيوان لم يتوقف بسبب قرار دولي، بل نتيجة تضارب مصالح وفساد، وكذلك مشروع كارفور في يعفور لم يُجهضه الغرب، بل أجهضته المحسوبيات وسوء الإدارة. ومن هنا يمكن القول إن مشكلة السوريين، تاريخيًا، لم تكن مع العالم بقدر ما كانت مع الفساد البنيوي الذي التهم الفرص، وبدّد الثقة، وحوّل الدولة إلى بيئة طاردة للاستثمار رغم ما تمتلكه من إمكانيات بشرية واقتصادية وجغرافية.
اليوم، وبعد الإعلان عن رفع العقوبات أو تخفيفها، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: أين المشاريع؟ كان من المفترض أن نرى ورشات عمل حقيقية، وحركة بناء، وتدفقات مالية ملموسة تعكس بداية مرحلة جديدة. لكن ما حدث فعليًا لم يتجاوز حدود الخطط الورقية والتصريحات الإعلامية والوعود المؤجلة، وكأن ما يُقدَّم للشعب ليس سوى إبر تخدير تُسكّن الألم ولا تعالج المرض. وهذا الواقع يؤكد أن المشكلة أعمق بكثير من مجرد عقوبات رُفعت أو خُففت.
فالاستثمار لا يبدأ بالشعارات، بل بالاستقرار. والقاعدة الاقتصادية المعروفة تقول إن رأس المال جبان، أي أنه لا يغامر في بيئات غير واضحة المعالم. المستثمر ليس مغامرًا عاطفيًا ولا وطنيًا حالمًا، بل صاحب حسابات دقيقة، ولن يضع أمواله في بيئة غير مستقرة سياسيًا، أو ملتبسة أمنيًا، أو مرتبكة اجتماعيًا، أو ضبابية اقتصاديًا وقانونيًا. وفي الحالة السورية اليوم، ما زالت هذه الشروط بعيدة عن التحقق الكامل، لا سيما مع استمرار تعدد القوى وتناقض الخطابات وغياب إطار وطني جامع قادر على احتواء الجميع.

الأخطر من ذلك هو ما يتعرض له النسيج الاجتماعي السوري من تهديد مباشر. فبعض الفصائل ذات الخطاب التكفيري تتصرف وكأنها أوصياء على الناس، تُكفّر من تشاء وتعتدي على من يخالفها في الفكر أو العقيدة، وكأنها تملك مفاتيح الجنة. وهذا السلوك لا يهدد فقط السلم الأهلي، بل يبعث برسالة خطيرة لأي مستثمر مفادها أن المجتمع لم يصل بعد إلى حالة الطمأنينة الضرورية لأي نشاط اقتصادي طويل الأمد. ولعل الصدق يقتضي القول إن ليس كل من يختلف معنا في الدين أو الطائفة أو الفكر كافرًا، بل إن انتهاك إنسانية الإنسان وحقوقه هو الخطر الحقيقي على هذه الأرض المباركة.
سوريا لم تكن يومًا أرض إكراه ولا مجتمع إقصاء. قال الله تعالى في محكم كتابه: «لا إكراه في الدين»، وهذه ليست مجرد آية تُتلى، بل قاعدة أخلاقية لبناء مجتمع متماسك. سوريا ليست بحاجة لمن “يهديها”، فهي ليست طارئة على الحضارة أو القيم. سبعة آلاف عام من التاريخ لا يمكن اختزالها في 91 عامًا من حكم أموي جاء في سياق تاريخي محدد، ولا في رواية تقول إن “التحرير” اختزل وطنًا كاملًا وأسقط ذاكرته. سوريا لم تكن ولن تكون أموية، بل لها كيانها الحضاري والثقافي الخاص، وهي أكبر من أي نظام وأوسع من أي فصيل وأعمق من أي أيديولوجيا.
لا يمكن إنكار أن النظام الجديد حقق اختراقًا في الدبلوماسية الخارجية، ونجح في تلميع صورته من خلال اللقاءات والزيارات الدولية، لكن هذا النجاح الخارجي لا يكفي وحده لفتح أبواب الاستثمار. يبدو أن هذا الحراك مرتبط بتوافق دولي على دورٍ ما لم تتضح معالمه بعد للرأي العام، وربما لم يُرِد أحد الإفصاح عنه في هذه المرحلة. وقد يكون هذا الدور قائمًا على إنتاج نظام يتوافق شكليًا مع ثقافة الغالبية الدينية والاجتماعية، بما يسمح بتمرير إملاءات دولية متفق عليها، وبعد تحقيق هذا التوازن فقط قد يُفتح الباب أمام الاستثمارات.
من هنا يمكن الاستنتاج أن العقوبات لم تكن يومًا العائق الوحيد أمام الاستثمار في سوريا، ولا حتى العائق الأكبر. العائق الحقيقي كان وما يزال غياب الاستقرار الداخلي، وتهديد النسيج الاجتماعي، وغموض المشروع الوطني الجامع. ومن دون معالجة هذه الجذور بصدق وشجاعة، فإن رفع العقوبات لن يكون أكثر من عنوان إعلامي، بينما تبقى سوريا معلّقة بين الوعود، بانتظار دولة حقيقية تحتضن جميع أبنائها، وتعيد الثقة قبل أن تطلب الاستثمار.
قد لا تروق هذه القراءة لكثيرين، لكنها تعكس واقع سوريا اليوم بعد عام على الانحلال من النظام الأسدي البائد. فالشمس لا يمكن أن تُغطّى بغربال، وهذه ليست نظرة تشاؤمية بقدر ما هي محاولة لأن نكون واقعيين وعقلانيين في قراءة المشهد السوري كما هو، لا كما نحب أن يكون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى