[review]
quot;ليلة فرارquot;
….تزداد الريح وخزا كلما مشينا عكس اتجاهها…
أتشبث بثوب أمي اللاهث ,علّني أبصر أملا في هذا الظلام الحالك…
حتى المطر بدا غاضبا وقاسيا …لكن لماذا يصيبني بسياطه تلك فانا لم أفعل شيئا.
تنهمر دموعي رغما عني وأصيح:
_quot;أريد العودة إلى بيتناquot;
تلتفت أمي نحوي …لا أميز بن دموعها وقطرات المطر…تتساءل بعصبية :
_quot;بيت؟ أي بيت ذاك الذي تتحدثين عنه؟ نحن لا نملك أي بيت…أسرعي حتى نصل قبل الصباحquot;
لا نملك أي بيت؟؟….كيف ذلك ما زلت أتذكر بيتنا الدافئ وغرفتي الجميلة…لقد كان بيتنا واسعا جدا…
وفي كل صيف تأتي جدتي وعمّاتي للمكوث عندنا,لقد كان أبي سعيدا بذلك …يا ترى أين أبي الآن؟….لن أسأل أمي لأنها ستصرخ وتجيبني بquot;لا أعرفquot; وتبكي كالعادة.
أحس بأنفي سيسقط صريع البرد…أتمنى لو أمسكته بين يدي ودفأته قليلا…أحاول فلا أستطيع…..فتلك اليد تأبى أن تفلت ثوب أمي ولو للحظات والأخرى تحتضن دميتي برفق..
..دميتي العزيزة أرفعها قليلا نحو وجهي أدفئها بأنفاسي الباردة فاشعر بقليل من الدفء.
أحبها جدا …أهدتني إياها أمي في عيد ميلادي السابع وقالت بأنني كبرت وأصبحت صبية جميلة…ولكنّي أنظر لنفسي بالمرآة كل يوم فأجد بأني ما زلت كما أنا لم يتغير علي شيء فكيف تقول أمي بأني أصبحت صبية جميلة؟
تشتد خطوات أمي رغم حملها الثقيل فأسرع رغما عني..أتعثر بالحجارة…تختفي قدماي في الطين…ترتجف أوصالي ..أكاد أتجمد…
أغمض عيني علّنّي أنسى البرد والتعب قليلا…أردد مقاطع من قصيدة حفظتها في المدرسة قبل أيام ووضعت لي المعلمة علامة كاملة ….أحاول تذكر آخرها ولكن عويل النواعير الحاد يطغى على حنين قصيدتي تلك.
تعلو أصوات لا أدري من أين تأتي…أرتجف ويتراخى ثوب أمي من بين أصابعي فأسقط ويتمرغ وجهي بالطين,تسحبني أمي من ذراعي بسرعة…ولكن دميتي تبقى..أحاول العودة فتنهرني أمي: quot;اتركيهاquot;……ونركض مسرعتين نحو المجهول.
أبكي طوال الطريق وبصمت……تركتها خلفي وأنا أعرف بأنها لن تحتمل البرد…ما أقساني…كانت تدفئني كلما شعرت بالبرد…..أقص لها حكاية كل ليلة….كانت تحدق بي دائما فلا تنام إلا بعد ان أنام أنا…
تهمس أمي:quot;اصبري فالحدود تقتربquot;
أتخيل تلك الحدود وهي تفتح ذراعيها وتركض نحونا….أتخيلها وردية اللون….دافئة ومشعة… تملك ابتسامة جميلة وأسنان بيضاء لامعة…
صوت رصاص يقترب…التصق بنفسي واقترب من أمي أكثر..الرصاص يتكاثف حولنا
أتشبث بأمي أكثر….تغدو خطواتنا كبيرة…
نركض بسرعة …
ولكنها كانت الأسرع……كانت دافئة جدا ولم أشعر بأي ألم…
ربما أصابتني برأسي فهويت…
تنكب أمي علي تبكي وتصرخ…تدعو على الظالم وتحاول إيقاظي….
أحلق بعيدا ….أنظر إليها من أعلى….أبتسم وأعبر الحدود.
