لغتنا الجميلة

لغتنا الجميلة

د. هاشم غرايبه

تزدان لغتنا العربية بفضائل كثيرة، منها القدرة الهائلة على بناء المعاني العديدة المختلفة من جذر واحد، وهذه الأبنية تتم وفق قواعد منطقية، وقوالب موزونة.
فالجذر الثلاثي (ف ع ل)، يمكن زيادة حرف أو حرفين أو ثلاثة، فيعطي كل مبنى جديد معنى جديدا، في أفعال مثل: فعَّلَ، فاعَلَ، تفاعل، تفعّل، انفعل، افتعل، استفعل..الخ، ومصادر مثل: فعلٌ، فاعلٌ، مفعولٌ، فعيل، مفاعيل، متفاعلٌ، مفعّل، مفتعلٌ، فِعلة، فعلان، افتعال، مفاعلة، أفاعيل..الخ.
ولاشتقاق المصادر من الفعل الثلاثي قواعد تبين المعنى المراد من ذلك الإشتقاق:
1 – فالافعال الثلاثية الدالة على حرفة يكون مصدرها على وزن (فِعالة) مثل: زرع : زِراعة , تجر : تِجارة , ولي : وِلاية.
2 – الافعال الدالة على صوت يكون مصدرها على وزن (فَعيل) او (فُعال) مثل: صهل : صهيل , عوى : عواء ,
3 – الافعال الدالة على لون يكون مصدرها على وزن (فُعْلة) مثل: حَمِرَ : حُمْرَة , خَضِر : خُضْرة
4 – الافعال الدلة على عيب يكون مصدرها على وزن (فَعَل) مثل :عَمِيَ : عَمَىً , عرج : عرجاً
5 – الافعال الدالة على تقلب واضطراب يكون مصدرها على وزن (فَعَلان) مثل: غلى : غَلَياناً , طاف : طَوَفاناً
6 – الافعال الدالة على مرض يكون مصدرها على وزن (فُعال) مثل: سعل : سُعال , زُكِم : زُكام , صدع : صُداع
7 – الافعال الدالة على امتناع يكون مصدرها على وزن (فِعال) مثل: أبى : إباءً , نفَر : نِفاراً.
كما أن الزيادة في الفعل الثلاثي تعطي لكل حالة معنى محددا:
1 – تضعيف عين الفعل على وزن (فعّل) تعني مضاعفة الأثر والمبالغة في الفعل، فقولنا: كَسَرَ الإناء تعني أن الإناء انشطر، لكن عندما نقول كسَّرَ الإناء فيعني أن الإناء أصبح قطعا صغيرة متناثرة، وكذلك في حرق وحرّق، وبذر وبذّر.
2 – تكرار فاء وعين الفعل تفيد تكرار الفعل وتواصله مثل : زلزل، زقزق، قصقص، همهم.
3 – الزيادة بألف بعد فاء الفعل على وزن (فاعَلَ)، تفيد المشاركة في الفعل بين الفاعل والمفعول به، فقولنا قتل فلان فلانا، يعني أن فعل القتل تم من طرف واحد، لكن القول قاتل فلان فلانا، يعني أن كلا منهما سعى لقتل الآخر، وكذلك باع وبايعَ ، وجلس وجالَسَ، ولعب ولاعَبَ.
4 – زيادة الحروف ا س ت قبل الفعل تقلب المعنى من فعل الشيء الى طلبه، فقولنا غفر تعني منح الغفران، أما استغفر فتعني طلب الغفران، وكذلك في شفى واستشفى، عمل واستعمل، عمر واستعمر. رحم واسترحم.
لقد كان نزول القرآن الكريم باللغة العربية هو سر تميزها الجمالي ،وانفرادها بسحر البيان وغنى المعاني، لدرجة أنه يصعب حصر الجماليات الكامنة في كل آية.
ومن تلك الروائع هو نظام القطع والوصل، فلفظة (مما) هي ذاتها وصل للفظتي (من ، ما)، وكذلك (كيلا = كي لا)، و(لئلا – لأن لا) ..الخ، ومجيء ألفاظ بالوصل في آية وبالفصل في أخرى ليس جزافا ولا هو عشوائي، بل وفق نظام ولمجيئها هكذا دلالات، فقد جاءت بصيغة الوصل عندما يكون الأمر متعلقا بحالة محددة، أما حينما يكون في الأمر المطروح تعددية وتنوعا، سواء في الأشخاص المعنيين أو الحالات المختلفة الظرف، فيكون اللفظ بصيغة الفصل.
ولو بحثنا لوجدنا أن ذلك مطبق بدقة حيثما وردت في القرآن الكريم، لكني سأورد مثالين فقط:
1 – جاءت الصيغة بالفصل (كل ما) في قوله تعالى: “ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ” [المؤمنون:44]، لأن المعني هنا أمم متعددة وسلا كثر، لكنها جاءت بالوصل (كلما) في قوله تعالى: “كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا” [آل عمران:37]، لأنها تخص حالة محددة لن تتكرر.
2 – جاءت الصيغة بالفصل (كي لا) في قوله تعالى: “لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ” [الأحزاب:37]، لأن الحالة عامة تخص كل المؤمنين وفي كل الأحوال، لكنها جاءت بصيغة الوصل (كيلا) في قوله تعالى: ” لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ” [الأحزاب:50]، لأن الحالة هنا خاصة وتعالج شخص الرسول صلى الله عليه وسلم.
هكذا يجد المتذوق المحايد أن اللغة العربية بنيت على أسس متينة وقواعد منطقية.. لذلك اختارها الخالق لغة البشر الأولى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى