لسانُ جُحا يَحتمِل

لسانُ جُحا يَحتمِل

د. #جودت_سرسك

اعتدنا في مجتمعاتنا العربية أن نربط #المناصب_العليا والمكانات الفكرية باستخدام اللغة الرصينة، والحجة العاقلة، والخطاب المهذب.

 ولوحظ في العقود الأخيرة، ومع ازدياد التحولات السياسية و الاجتماعية تصاعد لافت في استخدام #الألفاظ_السوقية أو البذيئة التي تليق بالرمز الفكاهي #جحا ولا تليق بغيره من #المسؤولين و #المثقفين وأصحاب المناصب.

مقالات ذات صلة

لا يعود الأمر إلى زلّة لسان، بل إلى تحول أعمق في الوعي الجمعي حول حدود الخطاب العام، وأزمة المعنى في زمن الشعارات الخاوية.

حين يتحول الانحدار اللغوي إلى أداة سلطة ومن الشتيمة إلى الاستراتيجية؛ يعتقد البعض أن استخدام الألفاظ النابية هو نوع من العفوية والواقعية، لكنه في الحقيقة أداة تسطيح وتقزيم للمواقف المعقدة ووسيلة إسكات.

إنّ من يجاهر بالألفاظ النابية لا يفتح بابا للحوار بل يغلقه على مصراعيه ويعبر عن انحطاط السلطة الأخلاقية فحين تعجز الحُجة تُستدعى الشتيمة.

ورغم قسوة بعض الساسة عبر التاريخ، كان خطابهم غالبا يحرص على سلامة الشكل والمحتوى اللغوي والأخلاقي، فلم يُنقل عن الخليفة عمرَ بن الخطاب في جاهليته أو اسلامه لفظٌ خارج عن الذوق.

وفي زماننا القريب نسمع مسؤولا تربويا يصرح في خضم أزمة نقابة المعلمين قائلاً: إللي حبّلها يولّدها قاصدا أن يبريء نفسه من أية مسؤولية تتعلق بهذه المؤسسة التي أصبحت أداة ليّ ذراع سياسية وميدان تصفية حسابات.

تعبيرجُحوي في مضمونه مبتذل في لغته، يستخف فيه بحقوق المعلمين ويصوّر مطالبهم كنزوة لا بدّ من تحمّل مسؤوليتها الجسدية لا العقلية.   

ما أشبه: إلّلي حبّلها يولّدها بعبارة إللي شعّلها يطفيها لتبرير المجازر في غزة، وكأن الدم العربي المسلم أو المسيحيّ أشعل نيرانا شخصية، وكأن من يقاوم الاحتلال أصبح مذنبا، يجب عليه أن يطفي جريمة لم يشعلها هو، بل أشعلتها آلة حرب لا تعرف إنسانية.

إن الدلالات الرمزية للغة جحا التي تخلو من أخلاق ورفعة لغة الجاحظ  هي انهيار القيم الرمزية للمناصب وتحوّل الرمز إلى أداة استعراض لا قيادة.

إن الشتائم غالبا ما توجه ضدّ المعلمين، النساء، الفقراء، أو الثوار لأنها لغة سلطة ضدّ من لا سلطة لهم.

إن وصف من يقاوم الاحتلال بأنه ولّعها هو اغتيال معنوي للمظلوم، وشرعنة ضمنية للقاتل.

حين تصبح الشتيمة تبريرا للقتل، فمن المعيب بل من الفظاعة الأخلاقية أن نروّج لحالة الأنانية والنأي بالنفس إلى النفس أولا حيث يقتل الأطفال في غزة تحت الركام، ويُباد الناس فقط لأنهم ما زالوا على قيد الكرامة.

إن الشتائم في لغة الخطاب الرسمي ليست رأياً، وإن اللغة ليست وسيلة للتفريغ العاطفي في منصات الحكم والسيادة ولا يُنتظر من السياسيين والمسؤولين ان يتصرفوا كمعلقين في المقاهي.

حين تصبح الشتيمة سياسة والابتذال منهجا ويتلاشي منهج الحوار لتحلّ محلّه لغة جحا وهمجية الهكسوس والقرامطة فإننا نعيش أزمة أخلاق وهوية مجتمعية.

ما يحتاجه جحا اليوم أن يغير منهجه تجاه حميره التسعة وأن يحصيها بدقة، وما نحتاجه اليوم ليس فقط إصلاحا سياسيا، بل ثورة في الذوق العام والخطاب من الأعلى إلى الأسفل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى