نصيّف يحمل الوطن في أمسية

عمان – إبراهيم السواعير – في حين يظل غيره في الليل والنهار يحكك بيت قصيدة العمود، حتى يظفر بالمدهش، أو يجف ماء هذا البيت ويُستنسخ عن شعر الأولين، فتفسد بذرة الحمل التي تودع عن غير رغبة من البيت، تلد أبيات الشاعر العراقي محمد نصيف معانيها، هكذا ببساطة، هو نفسه يعترف بها، حتى نكون على موعد مع المولود الجديد (على أجنحة الجراح)، الذي أشهره مساء أول من أمس بمباركة عراقية أردنية كبيرة جمعتهما قصيدة نصيّف (بين حبين) التي اشتهر بها.
القصيدة، التي كانت مستهلاً لحفل إشهار طوق الحمامة- صالون منتدى دارة المشرق للثقافة والفكر ديوانَ الشاعر، في قاعة منتدى الرواد الكبار، حملت الشاعر المبتسم إزاء هذا الحيرة أمام مسقط الرأس وسقوط القلب في شرك جميل هو التيه، الذي هو ليس غير الحب، الظاهر وغير المعلوم.
(يتقاسم قلبي حبّان/ لشذا بغداد وعمّان/ ما بين مدينة ميلادي/ وربيع صباي الفتّان/ ومدينة عشقٍ تحملني/ لفضاء الحلم المزدان/ وهما قمران بداجيتي/ وهما بنهاري شمسان/ وأنا مقتولٌ بينهما/ لا أعلم أيّهما الجاني)… إلى أن يقول: قلبي نصفين أقسّمهُ/ ما بين الأول والثاني/ نصفٌ يختا ببغداد/ والآخر تاه بعمان).
الأمسية التي أدارتها الإعلامية رندا عازر، أظهر فيها نصيّف فرادتَه بين عيني حبيبته أو هي التي شكّلت فرادته، في قصيدة (الرجل الفريد): (فتاتي كلّما ردّتْ أعيدُ/ سؤالاً فيه تسعدني الردودُ/ لماذا عندما تأتين صوبي/ أحسّ بأنني طفلٌ سعيدُ/ لماذا كلّما ألقاكِ أبدو/ كأني في الدنا رجلٌ فريدُ؟/ كأني قد ملكت الأرض فخراً/ وأني فيكِ هارون الرشيدُ!).
حبّ نصيّف لوطنه جعله يغازل كل من يحب هذا الوطن، ومثل ذلك قصيدة إلى شاعرة أنصفت العراق على إحدى الفضائيات: (ما زال شعركِ رابضاً في الذّاكرة/ أهدي إليك محبتي يا شاعرة/ مُذ زرتِ بغداد الجميلة وارتدتْ/ أيّامها فرحاً بأعذب زائرة/ أنتِ الأصيلة كم صهلتِ قصائداً/ وملأتِ دنيانا نجوماً زاهرة).
المرور على (القدس) لازمة طالما مرّ نصيّف بها على بغداد: (ومن يئنّ على شكوى هواكِ غفا/ يا قدسُ ردّي أجيبي صوت من نزفا/ فأنتِ فينا دمٌ يجري وأوردةٌ/ وقبلةٌ كلّما اشتاق الفؤاد هفا).
جاءت بقيّة القصائد وفي نفس الشاعر مُنتَظرٌ ما، ليتشبب الشاعر بمن يحب، هكذا ببساطة: (ألا دعي شعركِ المسدول يؤويني/ لأستفيء إذا ما الحرّ يكويني/ ثمّ اجعليه غطاءً كي يدثّرني/ حتى إذا مسّني بردٌ يدفّيني).
الناقد، الذي قال عن نفسه ذات مكاشفة، إنه إنما يسعى لمباركة الجهود الدؤوبة، فكثر بين الصالونات الأدبية والمنتديات النسائية وفي الجامعة وفي الندوات، وكثر شاعراً، كان هو راشد عيسى، وكان يفسّر الوطنيّة والحب والكحل ويتمثل أحياناً بترف المحكيّة اللبنانية، وكأنما هو ينشد مثل الجمهور عفوية التشبيه والحب بعد عناء الاستماع للمطولات. راشد عيسى المتعبة عينه بين الأكاديميا والإبداع والنقد والتلطف في النقد عرّف بمسار نصيف الشعري الذي يحمل الوطن.
محمد نصيف، الذي قدّمته رئيسة منتدى دارة المشرق للثقافة والفكر الأديبة زهرية الصعوب بأنه يسير على مدرسة الجواهري ويحفظ للشعر الأصيل رونقه مثلما يحفظ للعراق حقه في أحزانه وأشجانه وأفراحه،.. ردّ برجاء أخوي ثقافي إبداعي لـ(الرأي)، على من يسعون إلى تنميطه بالبحث عن الصور والتشبيهات، أن يرتاحوا قليلاً وهم يقرأون شعره، أو يستمعون إليه، فهو يحمل مشروع التعبير في اللفظ السهل، والأهم أنه يحمل همّاً وطنياً يغلفه الشعر، وهو ليس بقاصر أن يتأثر بنصوص النثر، فهو درس البكالوريوس في اللغة الإسبانية وهو إعلامي يتفاعل مع الأحداث قديمها وحديثها ولديه روابط مهمة في قراءة الأحداث قد لا يعيها الشعراء المنكبّون على التجويد والتحسين اللفظي، ليس إلا.

أ.ر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى