لاجئون / د . خالد غرايبة

لاجئون

سألني احد الاصدقاء ذو الاصل الفلسطيني اثناء دراستي في الولايات المتحدة في ما اذا كنت انوي العودة الى الاردن بعد انهاء دراستي، فقلت: بالطبع سأعود فلدي الكثير من الاسباب لذلك.
قال لي اما انا فليس لدي وطن لاعود اليه فأهلي في الضفة تحت الاحتلال وباقي اقربائي موزعون في عدة دول.

احسستُ انه يتكلم بحرقة فبالرغم من نجاحه وحصوله على حياة مستقرة وكريمة الا ان حقيقة أنه ليس له مكان أصلي (وطن) ليعود اليه، ولّد لديه احساسا مختلفا بالغربة ليس كأحساس اي مغترب آخر، اذ ان الآخرين مهما طالت غربتهم، فلديهم الاحساس بأن هناك وطن ينتظرهم ويمكنهم العودة اليه في أي وقت، او على الأقل يمكنهم ان يدفنو فيه. أما هو فالأمر بالنسبة له ليس كذلك.

ان تجارب التاريخ ونظريات علم الاجتماع تقول ان اللاجئين لا يعودون الى اوطانهم لسبب بسيط وهو أنه مع مرور الزمن تنقطع صلة الانسان مع وطنه خصوصا اذا توفرت له سبل الحياة الكريمة في موطنه الجديد وتتطبع الاجيال الجديدة بطباع الموطن الجديد فلا يعود لها رغبة او مبرر للعودة الى وطن لم تعرفه او تألفه. ولذا فإن بقاء صديقي في الولايات المتحدة ليس له بديل ولا منه مناص.

الان واخبار اللاجئين السوريين تملأ الفضاء، يبدو أن المطلوب هو ان انتقال جزء من الشعب السوري الى أوروبا ودول أخرى لعدة اسباب، ربما يكون السبب الانساني احدها، ولكن بالتأكيد فإن هناك اسباب اخرى قد تكون أسباب داخلية اوروبية او اسباب متعلقة باستراتيجيات الدول الكبرى.

الثابت في الامر أن هؤلاء اللاجئون ستنقطع صلتهم بوطنهم الام وسيصبحون مواطنين في الدول التي لجأوا اليها، وربما سيحارب ابناؤهم في جيوشها وسيصبح شعورهم انه لم يعد لهم وطن يمكن ان يعودو اليه، تماماً كشعور صديقي الفلسطيني، خصوصا انه يبدو ان الازمة السورية ستطول لمدة جيل على الاقل.

قد تندرج فكرة اسرائيل الكبرى تحت ما يسمى بنظرية المؤامرة، ولكن الوقائع على الارض ما هي سوى تمهيد لتطبيقها؛ لأن فكرة اسرائيل الاصليه قامت على تهجير السكان وفكرة ارضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا ارض.

قد يعاب على العاقلين ونخبة المجتمع التحدث بنظرية المؤامرة لانها قد تكون ضربا من العجز او التشاؤم الذي لا يجوز ان يتحلو به، ولكن ما يحدث يؤكد إن تلك النظرية لم تعد نظرية فقط بل قانون يحكم العالم الان، فالسياسة الدولية هي مؤامرة بالتعريف وهي ميكيافيلية بامتياز ولا يهمها سوى مصالح الاقوياء.

يقول مايلز كوبلاند في كتابه لعبة الامم: “لا يمكنك أن تربح المباراة دون أن تكون لاعبا ضمن الفريق”. وبما اننا لسنا لاعبين في السياسة الدولية فلن نكسب اللعبة يوما لأن المتفرجون لا يكسبون وستظل المؤامرة مستمرة ولن يوقفها سوى نهضة للامة تتوحد فيها النخب الصالحة للعمل الجاد المبني على اساس من الصدق و العدالة ووضوح الاهداف الذي يترافق مع الايمان القوي بأنفسنا وقيمنا وتاريخنا.

ربما نحتاج الى عشرات السنين للوصول الى ذلك ولذا فالامر متروك للاجيال القادمة عسى ان يجعل الله فيهم الخير.

ودمتم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى