ليلة الدخلة / مراد ساره

ليلة الدخلة

مراد ساره

أعرف تلك الملامح جيداً ، السحنة ذاتها وبداية شعر الوجه ، لقد أتعب حصى الطريق وهي تهرب من حذائه البلاستيكي الممزق ، وقطع أشواطاً في معترك حياة ، عجزت الشمس أن تحصي اعدادها لمرور الضباب وغبار الصحراء من خلالها .

طفل صغير أجلستني أمي بين قدميها وأحاطتني بثوبها وراحت تزغرد ككل النساء اللواتي حضرن إلى الحياة ، أغانٍ باحت بإسرار من عاشوا في حقبة ما وتجاوزت كل حدود الأوطان قبل أن تلتزم بمعاهدات دولية .

مقالات ذات صلة

عريس خلع شعيرات وجهه من بصيلاتها ، وثبت شاربه بعمق لتتوسط الخدود ، نفخ شعر رأسه (بسشوار) ارغم كل الخصلات على الخنوع.

بدلة سوداء وقميص أبيض كأقسى حلم لحياة لم يخلق ليستمتع بها ، ووشوشة لكل عجوز يرضخه على الاستماع بعد أن يضع في جيبه نصف دينار ورقية ، دروس مجانية في التقوية كانت كفيلة بإحمرار وجهه .

عروس قادمة من مخيم الحسين تمشي على استحياء ، قبضت يد أمها كمنازع رأى خيال الموت ، كان الجميع يرقبها ويحاول أن يطارد ملامحها من خلف الاكليل .

نسوة تراقص الفرح على ما تبقى من احزانها وتدور كالمتصوفة وكأنها في حضرة الملائكة ، سماء نزلت الى الارض ، وأرض أحتفلت بكرامة العرض.

نسوة تدفع العريس الذائب في ثيابة بعد أن تمسح بأطراف معصمه وترفعه فوق (اللوج) بجانب عروسه ، وجوه خجلى وايادٍ تشابك نفسها.

أجهزة استخباراتية من كلا الطرفين لم تلزم نفسها ببروتوكولات ، كانت توجه العريس ليرفع الاكليل ، ويأتي الرد من الجهاز المقابل علها تستجيب ، خجل أضاع الكلام وجمود بارد كاد أن يحطم التماثيل .

أقتربتُ للمنصة ونسيتُ أمي وبدأت أقرأ ما كتب بالحبر السري
– لا تخجل قوم ارقص معها وامسك بإيدها.. خلص يمة صارت حلالك
– قومي يا بنت ولا تعيطي هاظ زوجك وبكره رح تتعودو على بعض وتنسي امك وابوكي واخوانك .

ركضت خلف الفرح وتتبعتهم إلى الغرفة البعيدة خارج الفناء، مساحة فارغة تحمل في مسافتها التراب هي من افسدت لون فستانها الابيض ، حاولت أن أمشي في طريق النهاية رافعا فستان زفافها ولكنه انتهى بإغلاق باب الصفيح المؤطر بالخشب .

عدت محملاً بالخيبة ومطروداً بالهزيمة بعد أن فقدت متعة النظر ، توسطت المسافة واجتزت وحيداً نصف العتمة، حتى حضر النور من خلفي وفتح العريس باب الغرفة .

حاولت أن استدير لأرى شيئاً لكني تسمّرت ، عدت برأسي إلى الباب وتوجهت بعيوني إلى الديك الذي خبأ نفسه في الغرفة، لأعرف كيف سبقني بخطوات قليلة تاركاً بقايا الريش فوق رأسي وقد اختلف صوت صياحه في الالقاء
– وق وق بق بق وق

عدت مع العائلة محملاً (بمطبقانية) مغلفة بالحلوى ، كانت سبباً بأوجاع ضرسي وبكائي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى