
لو ترجع هالأيام
إنها الخامسة صباحاً، وديوك القرية واكبت الصباح تعالج حناجرها بصياح بين ديك كسول يصيح بصورة بطيئة وديوك تتنافس بحلاوة صوتها وصياحها و تنفيش ريشها ومنذ تلك اللحظة تبدأ الحياة تبدأ أفران الطابون في الإشتعال وخبز الصاج (الشراك) برائحته الزكية تفوح في الديرة والدخان المتصاعد من الأفران ومواقد الصاج وأحتراق القشيع ونبات البلان ليمتزح مع ندى جميل ورائحة أوراق التين تعبق في الأرجاء وعصافير تناغي الفجر الطالع بزقزقات صباحية. وها هم العجالون قادمون ورعاة الغنم يتحركون والفلاحون يتناولون فطوراً شهياً من خيرات ذاك الربيع النيساني الجميل، يجلسون على (الوطاه) يصلون للنعمة (نعمة الأكل والصحة) وبمقلاة نحاسية وبسمن بلدي يقلى البيض البلدي المجلوب من الخم ساخناً وبقليل من الملح والفلفل وصحن اللبن المشخول (الظبية) واللبنة الخارجة من كيس الملحفة البيضاء وقد عالجه الندى ببرودة رائعة وبرشة زيت زيتون وفرد أرغفة الشراك والطابون ورائحة الطيون القادم مع تلك النسمات الصباحية وهديل حمام خرج من مكامنه خرجت القرية من سباتها الليلي إلى فرح الصباح. وكما قال الجدود والأباء (نومة الصبح تورث الفقر) فالصبح يطلبنا للحياة والأرض والزرع ينتزعنا من حضن الدفء .. لا مجال للكسل فالطريق والزرع يعرف أننا قادمون من صوت خبطات قدمنا وتلك الزوادة التي نأخدنا معنا وحتى كاسة الشاي الفرط المضلعة بطعمها العابق بحلاوة السكر ولون الشاي الصافي (أنها مية بير) أمتلأ من غيث الرحمن، لا تصبر علينا لكي نكمل شربها فالأرض (الوطاه) اولاً تنادينا السنابل وشتلات البندورة البلدية والفقوس والجعابير والحروش والبطيخ وتلك الباميا الحمراء التي تجود بها أرضنا هو وقامات السمسم تريدنا أن نحن عليها ننكش حولها نحضنها نتكلم معها نناجيها لكي تعطي الخيرفهي تعرف الشاعوب والمنكاش وقربة الماء مع كل دقة من دقات قلبنا تخرج خير ونوار تحب اليدين الخشنة المجروحة من شوك ومنجل . والجباة التي أزدانت بالعرق لتعطي للأرض تعب لثمر خير وجنى . ومع توسط الشمس حضن السماء حان الوقت لسيجارة تتن والبحث عن الشماليخ والتي حالت إلى عسل فهي شهية اللب ولم ضمم من الجلاتون بازيلا الفقراء والدريهمه والحبق القابع في أسفل الوادي كأنه ولد من جديد برائحتة الممزوجة بين الريحان والنعنع . فبساط الربيع جميل يعطي قوس قزح رائع بعطور فواحة .
مالت الشمس على المغيب فسبات الليل القادم سوف يعود ولكن قمر نيسان يعطي للضوء مطرح فما أجمل السهر تحتك أيها القمر حين تعبق رائحة القهوة السادة أرجاء المكان فبين حنو شبابة وعزف ربابة وغناء للشروقي والهجيني ولفات سواكير التتن بدخانه الذي يخرج من شبابيك العقود يلهو مع غيمة ربيعية حتى ينتهي الليل على صبح جميل قادم لشيء كان يسمى قرية وفلاحون وفلاحات وقضاضة بيضا وقمباز وشرش جدتي وقد أمتزج بطحين القمح البلدي وبأرض تلك الأرض كانت تعطي قمحاً وكرماً وكواير ونسائم صبح تزهو بالسهل لا في بلكونات المنازل
