
نحو رؤية اقتصادية وطنية لما بعد الكورونا
أولاً: الإنعاش والترميم
أ.د أحمد العجلوني
باحث أكاديمي وخبير اقتصادي
من فضل الله أن أزمة الكورونا صحية ولم تنتج عن خلل اقتصادي مباشر، وأن الضربة لم تأت من جهة خاصرة الاقتصاد الطرية، وإنما جاءت من جهة النظام الصحي – بشقّيه الوقائي والعلاجي – الذي كنّا نفاخر به قبل الأزمة، وها هي الأزمة قد بينت بأنه مصدر قوة وانطلاقة للتعافي الاقتصادي من الأزمة (ولا أقول تحسّن الاقتصاد وازدهاره، لأن الآثار السلبية واضحة لكل ذي بصر). وقد أكّدت في مقال سابق على عدة فرص ومكامن قوة بيّنتها هذه الأزمة من أهمها الاستجابة الصحية، وأنها ستساعد على التعافي الاقتصادي؛ أو على الأقل تقصير مدة الركود المتوقع أو الحد منه، وقد أشار لأهمية الاستجابة الصحية العديد من الاقتصاديين العالميين كذلك.
علينا أن نميّز بين ثلاثة مراحل للتصدي الاقتصادي للأزمة وهي: مرحلة الإنعاش؛ تليها مرحلة الترميم، ومن ثم مرحلة التخطيط الاستراتيجي. ويجب أن ترتكز الاستجابة الاقتصادية السليمة خلال المراحل الثلاث على المنهج العلمي بدل الاعتماد على العصف الذهني والاقتراحات المشتتة المتحيّرة والتقديرات الرقمية المتحيزة من هنا وهناك كما نلمس الآن. وإن أي حلول تخرج عن نطاق المنهج العلمي ليست سوى استمرار للمحاولات الترقيعية التي طالما كانت تضر أكثر مما تفيد. ولأن كان هذا الإطار للتعامل مع التحدي الاقتصادي مهماً في مرحلة الإنعاش الحالية وتصحيح بعض الخلل فيها، فهو أكثر أهمية وإلحاحاً للمرحلتين التاليتين.
باشرت الحكومة بالتعاطي الاقتصادي مع الأزمة مبكراً بالتزامن مع الاستجابة الصحية، واتخذت عدة إجراءات اقتصادية طارئة منها حزمة إجراءات تتعلق بالسياسة النقدية وبالقطاع المصرفي تمت بإيعاز من البنك المركزي (سأخصص مقالاً مستقلاً للنظام المالي الأردني، أتعرض في جانب منه للسياسة النقدية). إضافة إلى الدعم المباشر للقطاعات الأكثر تضرراً من التعطل، وقد تم هذا التمويل بدون أن يؤثر على الموازنة العامة حيث تم من خلال إطلاق عدة صناديق للتبرع جمعت ما يزيد عن 100 مليون دينار إضافة إلى اقتطاعات من موظفي القطاع العام بقيمة 360 مليون دينار.
على الرغم من الجهود ذات الأثر الإيجابي، إلا أن هذا لا يمنع من الإشارة إلى جوانب التقصير أملاً في تحسين الأداء في جوانب مهمة. لقد لاحظنا إسراف رئيس الوزراء في إبداء مشاعر الامتنان للقطاع الخاص -المصرفي وغيره – في كل مناسبة، على الرغم من أن هذا القطاع لم يقدّم لغاية الآن سوى النزر اليسير؛ وبعد حملات “تخجيل” متكررة. ولا شك بأن جمع أضعاف هذا المبلغ كان -وما زال- متاحاً للحكومة، ولو باللجوء إلى قانون الدفاع لو كانت لديها النيّة لذلك. إن نسبة 10% فقط من أرباح السنة الماضية فقط ستكون كافية لجمع ما لا يقل عن 300 مليون دينار، خاصة إذا ما علمنا بأن الأرباح الصافية للبنوك وحدها بلغت 1.5 مليار عن العام الماضي. غير أرباح شركات الاتصالات والتأمين والصناعات الدوائية والغذائية وغيرها من المؤسسات التي لم تتضرر -إن لم تكن استفادت- من الأزمة. وإن تبريرات وزير المالية بعدم اللجوء إلى هكذا خطوة غير مقنعة وتنم عن تحيّز واضح على حساب جيوب الضعفاء، رغم الكلام المعسول الذي يسوّق به معاليه هذه الإجراءات المجحفة. وقد بات من الواضح بأن من تحمّل العبء الأكبر في تمويل مرحلة الإنعاش هم الموظفون من القطاع العام المدني والعسكري بالدرجة الأولى (الذين شكّلوا القاعدة الصلبة وجنود المواجهة في الأزمة!)، وهذا خلق انطباعاً لدى الكثيرين بأن دولة رئيس الوزراء وفريقه لم يخرجوا من عباءة البنوك التي أتوا منها للوزارة، والتحيّز للأغنياء في القطاع الخاص على حساب الموظفين ذوي الدخول الهزيلة؛ الذين عقدوا آمالاً ورتّبوا على أنفسهم التزامات مادية مقابل هذه الزيادات التي اقتطعت ولما يفرحوا بها بعد. إن المطلوب الآن في جانب الإجراءات الاقتصادية الإنعاشية التفكير بدور أكبر وفعّال للقطاع الخاص في دعم القطاع الخاص نفسه بدل المطالبات المتكررة بتحميل الموازنة العامة (أموال الشعب) عبء دعم القطاع الخاص. وكنت قد اقترحت قبل عدة أسابيع تشكيل “اللجنة الوطنية لتقييم الآثار الاقتصادية لأزمة الكورونا” حتى تدير الحكومة هذا الجانب بشكل فعّال لكي تساعد من مؤسسات القطاع الخاص من يحتاج فعلاً -وليس صاحب الصوت الأعلى- وتعينه على الصمود والثبات من خلال مساهمة جديّة وفعّالة من المؤسسات القادرة على الدعم من مؤسسات هذا القطاع.
بعد انقضاء الخطر الصحي بمشيئة الله، نرجو أن يكون الاقتصاد الأردني بدأ بالتقاط أنفاسه وبدأ بعكس الأداء من حالة الركود إلى تلمّس طريق النمو. وهنا تبدأ مرحلة الترميم، واقصد بالترميم إعادة النظر بإصلاح الوضع الاقتصادي الذي كان بحال غير سليم قبل الأزمة، ويعاني من اختلالات هيكلية حادة من ناحية الدّين العام والبطالة وغيرها من أمراض الاقتصاد الأردني المزمنة. في هذه المرحلة يجدر القيام بخطوات يلمس المواطنون فيها على أرض الواقع تغيراً إيجابياً في النهج لا يقتصر على ” التبشير” بعدم فرض ضرائب جديدة للسنة القادمة! نريد لهذا التغيير أن يحقق مناخاً من الثقة والمشاركة الفعليّة للجميع بدون استثناء. وهنا يجب اللجوء إلى التشخيص الصحيح والصريح للمشاكل الاقتصادية، ومعالجة الاختلالات الهيكلية وغياب الهوية والرؤية الاستراتيجية الاقتصادية للحكومة الحالية والحكومات السابقة. نريد في هذه المرحلة التقدّم خطوة للخروج من الدائرة المفرغة بالتعامل حسب “استراتيجية النفس القصير” ومدّ اليد إلى جيب المواطن أو باستجداء المقرضين، والانتقال إلى المبادرة بناءً على رؤية واستراتيجية اقتصادية واضحة بدل العمل وفق ردود الأفعال.
إن ترميم هيكل الاقتصاد مرحلة أساسية لازمة قبل أن نفكر بالتخطيط بعيد المدى لكي نتمكن بمركب اقتصاديّ متين من خوض عباب بحر المستقبل، والذي يتوقع له كثير من الاقتصاديين أوقاتاً صعبة على المستوى العالمي. يجب ألا تزيد مرحلة الترميم عن سنة واحدة، ومطلوب من الحكومة الحالية (والأفضل منها حكومة وطنية بديلة؛ قوية وذات قاعدة شعبية صلبة) أن تبدأ بالتفكير خارج صندوق الموازنة، وأن تبادر للتعامل مع قضايا أساسية تؤرق المواطنين بكل شرائحهم وتجعلهم متوجسين من أي إجراء اقتصادي حكومي ومتخوفين من المستقبل، يجب على الحكومة أن تكون جريئة في طرحها على الطاولة بكل شفافية وتمارس ولايتها السياسية العامة بكل مسؤولية.
هناك مجموعة من الخطوات التي ينادي بها الكثيرون، والتي تكشف مدى جديّة الحكومة وجرأتها على ترميم هيكل الاقتصاد الأردني. وحتى أكون أكثر تحديداً؛ فإن المطلوب اتخاذ خطوات ملموسة بخصوص مكافحة الفساد وتجفيف منابعه، وإلغاء المؤسسات المستقلة وإلحاقها بالوزارات ذات العلاقة، إضافة إلى مكاشفة الشعب بخصوص اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني ذات الآثار الاقتصادية السلبية (فضلاً عن آثارها القومية والوطنية) والعمل على نبذها. كما أن سياسة الحكومة بالتعامل مع موضوع الطاقة فيه كثير من النقاط السلبية الواضحة، خاصة تسعير المشتقات النفطية وشركات الكهرباء المتعددة التي أرى بأنها يجب أن تعود شركات قطاع عام. وهنا أقدّم اقتراحاً إضافياً بتوزيع جزء من أراضي الخزينة على المتعطلين عن العمل بشرط الإعمار والتطوير. وهذه الخطوة ستساعد بشكل كبير في الحد من البطالة وتحريك الاقتصاد في جوانب كثيرة.
إن تناول هذه القضايا وغيرها بشفافية وحلول جذرية حقيقية يلمس المواطن أثرها في أمنه الاقتصادي والاجتماعي ستعطي نتائج غاية في الإيجابية، وسوف تشكل أساساً ومنطلقاً قوياً لبناء استراتيجية اقتصادية وطنية طويلة الأجل برؤية واضحة، ستكون محور المقال القادم إن شاء الله.
حفظ الله الأردن وأدام ازدهاره
https://www.facebook.com/ProfATAlAjlouni/
https://twitter.com/Dr_AlAjlouni

