
فرحان الراعي
محمود الشمايله
لم أكن قد تجاوزت الصف الأول الإعدادي عندما جاءنا الأستاذ سعيد قادم من مصر ، ،
سألنا الأستاذ سعيد في محاولة منه لقراءة مدى حجم سذاجتنا في الحصة الأولى..
انت عاوز تعمل ايه لما تكبر؟؟!
انشغل الطلاب باجاباتهم البريئة وانا رحت ابحث عن شخص مثالي اريد ان اصبح مثله ..
امام هذا السؤال الاستشراقي لم يخطر ببالي سوى الراعي فرحان الذي نقابلة كل يوم مع اغنامه بجوار المدرسة.
قدوتي فرحان..
لا شك أنه سعيد في حياته . هو يمتلك قطيع اغنام وكلب وفي وحماره سمراء ..
يعلق جرس في رقبة الحماره وعلى ظهرها نسف خرج بجيبين، في داخل الخرج ابريق شاي محترق وكاسات شاي ومطرمان للسكر واخر للشاي، كيس اسود فيه ارغفة خبز وبندورة، خيار قليل من الزيت، كيس مربوط فيه تتن عربي وعدة دفاتر اوتومان وفي الجيب الاخر مطرة ماء صفراء كانت للزيت عرفت ذلك بعد قراءة الكلمات ( زيت مازولا) …
كنت أتساءل هل يستطيع فرحان ان يقرأ تلك الكلمات؟؟!.
لا شك أنه لا يخاف من عصى الاستاذ عدنان ولا من كلماته المسمومه هو مشغول بقطيعة فلا حاجة له بحفظ جدول الضرب او قصائد المتنبي ولا حتى حفظ سورة ياسين فهو لا يحتاج الا الى سورة الفاتحة ليقضي صلاته فيها اذا احتاج ان يصلي اصلا ..
كم هي رائعة حياتك يا فرحان ، شبابتك تطرب عصافير الدوري وتغنيك عن متابعة صحافة الوطن او النشرات الاخبارية الساذجة التي يعدها طلبة المدرسة في اذاعة المدرسة اليومية.
من يحضى بأن يمتطي رحلة شقاؤك اليومية..عبر سفوح وطني ؟!
بعد كل هذا الكمال ،كنت اتخيل حجم السعادة التي يحضى بها فرحان ..
لا شك أنه في منتهى السعادة يمتطي حمارته ويدلي قدمية باتجاه واحد وهو يهش عليها بمطرق خيزران
القطيع يسير خلفه والكلب يتولى مهمة اخضاع الأغنام المتمردة ويتكفل باعادتها الى خط سير القطيع مرة أخرى.
صاح الأستاذ سعيد بلهجته المصرية المستغربه..
وهو يلكزني بعصاه
انت ياااااد …..انت فين ؟؟!
اعادني صوته الضخم الى الغرفة الصفية وباغتني بسؤاله المربك…
انت عاوز تكون ايه لما تكبر ؟؟!!
غرقت في التفكير ، خيم الصمت والأستاذ سعيد فنجل عينيه في انتظار اجابتي المدهشة او ربما كان يعتقد ذلك ….
غاب الأستاذ سعيد القلماوي عن ذاكرتنا ولكن سؤاله ظل يؤرق كل تلك الأجيال المتعبة التي بلغت من العمر عتيا وهي ما زالت تفكر في سؤاله المدهش …

