هجوم الكرك الارهابي . . وما بعده / محمد نغوي

هجوم الكرك الارهابي . . وما بعده

بتاريخ 18/2/2016 نشرت موضوعاً على صفحات سواليف الغراء، بعنوان (سُبل تقليل الأخطار إذا وقع الهجوم الغدار) إستعرضت فيه العمليات الارهابية التي استهدفت دول الاقليم مدعماً بالاحصائيات، وطرحت حينها سؤالاً (هل سيتعرض الأردن لهجمات إرهابية؟) وأجبت عليه بالتفصيل، واليوم تكاد تنقضي سنة 2016، الدامية بالنسبة للأردن، بعد أن تم إستهدافه بأربع عمليات إرهابية أدت في مجموعها إلى إستشهاد 19 عسكري ومدني وجرح 46 آخرين، حيث بتاريخ 1/3/2016 جرت عملية مداهمة اربدالتي أدت إلى قتل سبع خارجين عن القانون كانوا يخططون للقيام بعملية إرهابية كبيرة، وأدت العملية إلى إستشهاد النقيب راشد الزيود وإصابة خمسة عسكريين، وفي تاريخ 6/6/2016 جرت عملية الهجوم على مكتب مخابرات البقعة التي أدت إلى إستشهاد خمسة عسكريين وتم إلقاء القبض على الفاعل لاحقاً، وبتاريخ 21/6/2016 جرت عملية الهجوم الانتحاري قرب مخيم الرقبان التي أدت إلى إستشهاد ستة عسكريين وإصابة 14 عسكري آخرين، وقبل أيام بتاريخ 18/12/2016 جرى الهجوم الارهابي على الكرك الشامخة الأبيةالذيأدى إلى استشهاد سبع عسكريين ومدنيان وسائحة كندية وإصابة 27 آخرين من العسكريين والمدنيين.
بعد كل عملية كان المواطنون يمنون أنفسهم بأنها ستكون الأخيرة، ويحتسبون أبنائهم شهداء عند الله عز وجل، وأثناء وبعد كل عملية إرهابية كان كل أبناء الوطن يتجاوزون أية خلافات ويعبرون عن وحدتهم في خندق الوطن وأجهزتهم الأمينة.
في ظل ما نشهده في منطقتنا المشتعلة من عمليات عسكرية وإرهابية، فإن حجم العمليات الارهابية التي تعرضنا لها حتى تاريخه، يبدو منطقياً، ولا شك بأنها كانت ستكون أفدح وأهول لا قدر الله لو لم تكن الأجهزة الأمنية تقوم بواجبها، وإن من الوهم توقع أن تنتهي هذه العمليات الارهابية ضد وطننا الحبيب في أقرب وقت، بل قد تزداد وتيرتها بحكم تداعيات الأحداث في دول الجوار المضطربة، ولكن ما يهمنا في هذا، وما يجب علينا مسؤولين ومواطنين أن نركز عليه هو متانة الجبهة الداخلية، التي هي عماد الأمن والاستقرار، والتي تعتبر السند والظهير لقواتنا المسلحة المنتشرة على طول الحدود.
يمكن للمحلل المتابع لمجريات الاحداث خلال العمليات الارهابية التي جرت في المملكة حتى تاريخه، أن يسجل الملاحظات التالية الهامة على منظومة إدارة الأزمة التي لمسها المواطنون ولم تعد خافية عليهم،والتي تحتاج إلى حل جذري وسريع من قبل صناع القرار:
(1) تداخل الصلاحيات: من الواضح بأن هناك تداخل في صلاحيات التعامل مع العمليات الأرهابية ظهر إلى العلن، بين الأجهزة الأمنية المختلفة، وبخاصة أن كل منها لديه عناصر مدربة للتعامل مع هذه الأحداث، لذا يجب الإتفاق على حدود الواجبات والصلاحيات المخولة لكل جهة من هذه الجهات لتقوم به، فالإزدحام يعيق الحركة ويضيع الوقت ويعتبر ثغرة أمنية خطيرة يمكن للارهابيين أن يستغلوها.
(2) التنسيق الأمني: بناء على النقطة الأولى يجب إعادة تعريف التنسيق الأمني، وهذا لا يتأتى إلا من خلال ترتيب إجتماعات عليا وإدارية بين الجهات العسكرية المختلفة، ووضع سيناريوهات افتراضية لعمليات أمنية مشتركة لدراسة وتحليل طبيعة التنسيق بينها وانسيابيته.
(3) المرجعية: يجب وضع هيكل تنظيمي يجمع الجهات العسكرية والأمنية كلها معاً،بحيث يبينهرم السلطة وتسلسل المرجعيات، وفي نفس الوقت لا يشكل عائقاً بيروقراطياً أمام الوحدات الميدانية المتخصصة في التعامل المباشر مع الحدث الارهابي لحظة وقوعه، بحيث تكون تلك الوحدات الميدانية الخاصة تتمتع بصلاحية التعامل الذاتي الفوري مع الحدث، قبل إنتظار أن تأخذ الأوامر والتعليمات من المرجعيات العليا.
(4) الدروس والعبر: ينبغي إنشاء لجنة تحقيق متخصصة ومحايدة، يمكن أن يتم تشكيلها من عدد منالمحللين العسكريينوالضباط المتقاعدين من كافة الأجهزة العسكرية ضماناً للحيادية، بحيث توضع أمام اللجنة جميع مجريات العمليات الارهابية التي تمت وكيف تم التعامل معها، ويمكنها الحصول على أية معلومة تطلبها، ومهمة لجنة التحقيق هذه هي البحث عن نقاط الضعف والتقصير وسوء التخطيط، وأن تقدم تقريراً بذلك يتضمن أيضاً الدروس والعبر المستفادة، والتي يجب أن ترفع إلى أعلى المستويات لتنفيذها.
(5) المحاسبة: لا شك بأن أرقام ضحايا العمليات السالفة الذكر تميل لصالح الجهات الارهابية المنفذة (19 شهيد مقابل 11 قتيل إرهابي)، وهذا أمر يناقض تماماً ما يفترض به أن يحصل، فالمتابع للعمليات الارهابية التي تتضمن الاشتباك المباشر بين الأجهزة الأمنية والارهابيين في الدول المتقدمة، يلاحظ بأن الخسائر في صفوف الأجهزة الأمنية هي الأقل وليس العكس، وبالتالي فإنه لا بد وأن تكون هناك جهات قصرت ولم تقم بواجبها كما ينبغي مما يستوجب.
(6) التقصير الاعلامي: لقد أثبت الاعلام الرسمي الأردني عدم قدرته على تغطية الأزمات أو التعامل معها بشكل إحترافي ومهني، واقتصر دوره على إذاعة الأغاني الوطنية وترك المواطن يبحث عن أخبار وطنه عبر تقليب القنوات الفضائية الأجنبية، وكان الأولى بالإعلام الرسمي أن يكون جزء من منظومة أدارة الأزمة مع الأجهزة الأمنية، بحيث يصبح هو مصدر الخبر الرئيسي ساعة بساعة بالنسبة للمواطن وللمحطات الفضائية الأجنبية.
(7) التوعية الشعبية:المجتمع الأردني معروف عنه بالفزعة والحمية وهو مجتمع متقارب ومتعاضد مع بعضه في أوقات المحن، وهذه من الصفات الحميدة التي أنعم الله بها على هذا الوطن، وقد شهدنا منذ عملية تفجير فنادق عمان سنة 2005مروراً بكافة العمليات الارهابية، أن المواطنون يهبون إلى مواقع العمليات إما بهدف تقديم الدعم والمساندة أو بدافع الفضول للمشاهدة، إلا أن إزدحام المواطنين قد يشكل خطراً كبيراً عليهم ويعيق الأجهزة الأمنية عن أداء واجبها، وقد يتسبب في زيادة خطورة الاصابات وتعطيل الجهود اللازمة لإلقاء القبض على المطلوبين، وقد شهدنا في تفجيرات باريس كيف أصبحت المدينة خالية من السكان عندما إنصاع كل سكانها إلى طلب عمدتها من المواطنين ملازمة بيوتهم وعدم الخروج إلى الشوارع، مما سهل على الأمن الفرنسي سرعة التحرك لإنقاذ الأرواح ومطاردة الارهابيين، لذا فإن مهمة توعية المواطنين هي مهمة كبيرة، يجب أن يتم المباشرة بها ومن كافة الجهات الرسمية وغير الرسمية.
(8) الجبهة الداخلية: إن من شأن تنفيذ النقاط السالفة الذكر، وبخاصة تلك التي لها علاقة مباشرة بإهتمام المواطن (النقاط 4، 5، 6، 7) أن يعزز الثقة لدى المواطنين وأن تجعلهم شركاء في تحمل المسؤولية، وبالتالي أن تزيد من منعة الجبهة الداخلية.
إن السبيل إلى مواجهة العمليات الارهابية والتقليل من نتائجها إلى الحد الأدنى، لا يكون من خلال الادعاء بسلامة الاجراءات التي تم اتباعها وإغماض العيون عن الأخطاء التي تم ارتكابها، بل يجب يبدأ من خلال الاعتراف بالأخطاء والبحث عن حلول لها، كما أن مثلث الأمن والأمان يرتكز على ثلاثة أضلع رئيسية يجب أن تبقى ملتحمة ببعضها وهي، القيادة الحكيمة والشعب الواعي والجهاز العسكري القوي، والله تعالى أسأل أن يحفظ قيادتنا الهاشمية الملهمة، وشعبنا الأبي العظيم، وأجهزتنا العسكرية الباسلة، وأن يرحم شهدائنا الأبطال وينعم عليهم بالفردوس الأعلى، إنه نعم المولى ونعم المجيب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى