قوة التغيير وتغيير القوة

قوة التغيير وتغيير القوة:

رؤية في إعادة صياغة موازين الشرق الأوسط

بقلم: فضل سليمان

إن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة اليوم ليست مجرد صراعات حدودية عابرة، بل هي «مخاض جيوسياسي» يعيد ترتيب موازين القوى العالمية والإقليمية. لذا، فإن فهم هذا الواقع يتطلب تجاوز القراءات السطحية والعودة إلى جذور المشهد الذي تشكل عبر محطات مفصلية غيرت وجه المنطقة.

7 أكتوبر: صدمة الواقع وهشاشة «الستاتيكو» الأمني

لقد كشف السابع من أكتوبر عن هشاشة أمنية وتكتيكية غير مسبوقة لدى الكيان الصهيوني، وأسقط أوهام «الاستقرار المفروض» التي سادت لسنوات. هذا الحدث لم يحيِ القضية الفلسطينية كمركزية أخلاقية فحسب، بل دفع القوى الدولية والكيان لإعادة طرح مشروع «الشرق الأوسط الجديد» كخيار إجباري لتصفية المخاوف الأمنية عبر إعادة هندسة جغرافيا النفوذ بما يخدم مصالحهم. ومع صعود إدارة ترامب، انتقل الانحياز الأمريكي من التنسيق الاستراتيجي التقليدي إلى «الصدام المباشر» والقواعد الصارمة عبر سياسة الضغط الأقصى، مما خلق حالة من الاستقطاب الحاد مهدت لانفجارات لاحقة.

تقاطع المصالح الإقليمية: استراتيجية الاستنزاف

عند تحليل سلوك الكيان وإيران، نجد تقاطعاً واضحاً في «غريزة البقاء»؛ فكلاهما يسعى لفرض مشروعه الخاص على حساب استقرار المنطقة. وبينما يمارس الكيان سياسة التنكيل والتهجير، تتبنى طهران نهجاً موازياً عبر أذرعها لإجهاض تطلعات الشعوب وضمان نفوذها. والهدف المشترك هنا هو إضعاف «قلب المنطقة» واستنزاف مقدرات دول الخليج العربي، لإخلاء الساحة أمام مشاريع إقليمية تتغذى على الفوضى وعلى ضعف المحيط. وسواء كان الصراع بينهما صداماً حقيقياً أو «تخادماً مستتراً» برعاية دولية، فإن الضحية دائماً هي استقرار المنطقة.

الردع الاستراتيجي: ضرورة التنسيق السيادي (الأمني والعسكري)

أمام هذا الواقع، لم يعد مقبولاً البقاء في وضعية «رد الفعل». إن امتلاك دول الخليج العربي لمفاتيح الطاقة والممرات الملاحية -كأدوات ضغط سيادية تجعل من المنطقة صاحبة الكلمة العليا جيوسياسياً- يفرض عليها التحول إلى «قوة تغيير» فاعلة، ترتكز على سبعة محاور أساسية:

١) السيادة الإقليمية: الإصرار على أن أهل المنطقة هم الأحق برسم مصيرها بعيداً عن الوصاية الخارجية.

٢)  تأميم الحلول واستعادة الدول المستلبة: إدارة الخطر الإيراني برؤية خليجية خالصة تقوم على الشراكة والندية؛ وهذا يتطلب بالضرورة إنهاء حالة الاستقطاب والسيطرة الإيرانية على القرار في العراق واليمن. فمن حق هذه الشعوب استعادة سيادتها الوطنية والعيش في أمن واستقرار، والتمتع بحقها في الرفاهية بعيداً عن صراعات الوكالة.

٣)  الندية في المواجهة: التعامل مع الكيان كـ «ند محتل» لا يمكن الوثوق بوعوده الأمنية، وفرض احترام حقوق شعوب المنطقة كشرط لأي استقرار.

٤) تصفير الأزمات النووية: المطالبة بمساواة كاملة في إخلاء المنطقة من السلاح النووي (إيران والكيان)، مع التمسك بالحق في التكنولوجيا السلمية.

٥) بناء محور استقرار إقليمي: تدشين تنسيق سيادي بصبغة أمنية وعسكرية مشتركة يضم قوى وازنة كتركيا وباكستان، ليكون حائط صد يمنع أي تدخل خارجي مفاجئ يهدف لقلب موازين القوى في المنطقة.

٦) حماية العمق الجغرافي (الأردن نموذجاً): تعزيز التنسيق مع الأردن لقطع الطريق أمام أطماع الكيان في اجتزاء أراضٍ سورية واتخاذها ممراً نحو العراق، ومنع مخططات «الشرذمة الجغرافية» التي تستهدف تقطيع أوصال المنطقة.

٧)  كف يد الكيان عن لبنان: اتخاذ موقف إقليمي حاسم يمنع استباحة لبنان أو إعادة صياغته وفق المصالح الصهيونية؛ فلبنان جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، واستقراره ضرورة لضمان «المنطقة الآمنة».

اقتناص اللحظة: الفراغ الجيوسياسي كفرصة تاريخية.

إن ما يمنح هذه الرؤية واقعيتها اليوم هو نشوء «فرصة ذهبية» ناتجة عن حالة استنزاف استراتيجي غير مسبوقة للأطراف الثلاثة الفاعلة «واشنطن، طهران، والكيان». فالمشهد الراهن يكشف عن عجز حقيقي لدى الكيان في حسم معاركه عسكرياً، وتآكل في قدرة طهران على حماية أذرعها، يقابله تشتت أمريكي في إدارة أزمات المنطقة. هذا العجز الثلاثي عن تحقيق أهداف قاطعة أو القضاء على الطرف الآخر، خلق «فراغ قوة» تاريخي يجب أن تملأه دول المنطقة بفرض شروطها وتوحيد مطالبها ككتلة واحدة غير قابلة للتجزئة. لم يعد مقبولاً اليوم الركون لوعود التأجيل أو المماطلة التي استُنزفت منذ “مسارات السلام المزعومة” في 1991؛ فالعالم العاجز عن لجم آلة القتل يمنحنا الآن، وبقوة الواقع، تفويضاً ذاتياً لصياغة أمننا بأيدينا، بعيداً عن أوهام الحماية الخارجية التي أثبتت الوقائع هشاشتها.

إرادة أصحاب الأرض

إن موازين القوى في منطقتنا لم تعد تُقاس فقط بجردة حسابات السلاح أو التحالفات العابرة للقارات، بل بمدى امتلاكنا لجرأة القرار واستقلالية المسار. فإذا كانت القوى الكبرى قد اعتادت صياغة واقعنا بـ «قوة التغيير» التي تخدم مصالحها، فقد آن الأوان لأن يفرض أبناء المنطقة «تغيير القوة» ذاتها، لتصبح نابعة من وجدان شعوبنا وحكمة قادتنا؛ فالمستقبل لا يُنتظر.. بل يُصنع بأيدي أصحابه.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى