قراطيس النورانية

                          #قراطيس_النورانية

           بقلمي: #إبراهيم_أمين_مؤمن

سأله: “هل تظن أن التاريخ روى لنا كل #أحداث_الزمان؟”

 أجابه: “إن الأحداث التي رُوِيَتْ بالنسبة لمن لم تُرْوَ، مثل قطرة في بحر.”

مقالات ذات صلة

قبل آلاف الأعوام، كانت رائحة الذنوب التي تنبعث من البشر قد ملأت السماء، فأصبحت لا تحتملها كما لا تحتمل رائحة أدبار الشياطين. ثقلت أقدامهم الشيطانية بالآثام، فلم تعد الأرض قادرة على تحمل خطواتهم، ولا المياه قادرة على حمل سفنهم ومراكبهم التي تحمل الموت على متنها. كانت أوجاعهم نتيجة لصراخ المظلومين، وأنات الجرحى، وسفك دماء المقهورين. فقرروا الاستغاثة بالأم، وأرسلوا شكواهم بعدما ضاقت بهم الأحزان، فاختاروا الرياح ذات الأجنحة الكونية لتحمل رسائلهم إليها.

طارت الرياح محملة بأجنحة الشمس والقمر والنجوم، حاملة رسائلهم إلى الأم. كانت الرياح تتوالى من مشرق الأرض ومغربها، تحمل الكلمات من أعماق المعاناة. جاء في رسالة الأرض: “إلى الأم المقدسة الطاهرة النورانية، سلام الله عليكِ. أرسل إليكِ رسالتي المائة بعد تسع وتسعين، فقد عجزت عن تحمل دبيبهم على ظهري. فاشفعي لنا عند ربكِ بأن يأذن لي ببلعهم في جوفي.” وجاء في رسالة السماء: “إلى الأم العظيمة، أرسل إليكِ رسالتي المئوية، فقد أصبحت عاجزة عن تحمل تظليل رؤوسهم بما تحتويه من دمار. فاشفعي لنا عند ربكِ بأن يأذن لي بإرسال حاصب ليحرقهم.” أما في رسالة المياه، فقد ورد: “إلى الأم النبيلة، لا أستطيع تحمل سيرهم على ظهري، فاشفعي لنا عند ربكِ بأن يأذن لي بغرقهم في قيعاني.” وجاء في رسالة موحدة من الجميع: “أكثر ما أحزننا هو النفاق والكذب.”

استقبلت الأم المقدسة جميع الرسائل، بالإضافة إلى الرسالة الموحدة. كانت أحبارها مغمورة بالدعاء، وأوراقها محمّلة بالرجاء، ومختومة بلغة لا يعرفها سواها، لغة النورانية. نظرت إلى الرياح، التي كانت تحمل أجنحتها المضيئة، أجنحة الشمس في يمينها، والقمر في يسارها، والنجوم تتوج رأسها. تأملت في أمر الله الذي علمها لغة الجمادات، ثم قالت للريح: “منذ متى خرجتِ بهذه الرسائل؟أجابت الرياح: “أعطوني الرسائل حين كان قرص الشمس على وشك أن يلامس الأفق.” تأملت المقدسة في كلمات الرياح وهمست بين شفتيها: “منذ لحظة تسلمك الرسائل حتى وصولك، كنتُ أدعو الله أن يصلح حال البشر بكلمة واحدة فقط، خرجت من أعماق قلبي، وكانت أمانتكِ، أيتها الرياح، أسرع من أسرع جني على وجه الأرض.” قالت للرياح: “ولماذا قصدوا شفاعتي؟ أليس هناك من هو خير مني؟أجابت الرياح: “لا، فكل أعمالكِ الطيبة تصل إليهم. نحن نبكي ونفرح كما تبكين وتفرحين، وأنتِ يا مقدسة خير من يعبد الله في هذا الكون. كان خشوعكِ يخفف عنهم آثام البشر وشرورهم، لذلك أرادوا شفاعتك.”

همست النورانية في نفسها: “جاء وعد الله بإغاثة خلقه، حتى الجماد أراد أن يغيثهم. يظنون البشر أن الجماد لا يحيا، لكن بالنسبة لجلال الله، هو خلق من خلقه. وأنا خير من يعلم هذه الحقيقة، فأنا أكلم الشجر والحجر والمياه وسائر خلقه.” قالت: “دعيني أيتها الرياح أختلي بربي لحظة، لأنظر إن كان يقبل شفاعتي أم لا.” اختلت المقدسة مع الله لبعض الوقت، ثم خرجت بعد أن قبل شفاعتها ووهبها قدرة الحكمة والبلاغة. سحبت الريشة من المحبرة وكتبت رسالة بلغة الكون، حروفها تخرج من منطق لا دخل للبشر فيه، لأنها لغة الجماد. وكتبت: “إلى الثلاثة الأعزاء، لقد قبل الله شفاعتي، وأعدني للقيادة، وأوضح لي كل شيء. لكن اعلموا أن جراحكم لن تلتئم إلا بعد أن تُكوى بالنار. هل تعرفون كيف تُكوى؟ سوف تصطك السيوف لعشر سنين، تسيل فيها الدماء أنهاراً. دماء الأبرياء ستتسبب في اتساعها، لكن دماء الظالمين والكفار ستكون أكثر بمائة مرة من دماء الأبرياء، وحينها فقط ستلئم الجراح. أريد أن أخبركم أيضاً أنكم ستصرخون، وتتمزقون، وسيضج الألم في كل ذرة من كيانكم، فاحتملوا حتى يأتي النصر الذي لا ريب فيه. كل ما عليكم هو الصبر، والثقة في وعد الله. انتظروا كلمتي، قد تأتيكم بعد أيام، أو شهور، أو سنين. لن أرسل إليكم الرياح إلا بعد أن يضع منبر ولدي المصطفى قدميه على أول سلم النجاح.”

ما إن خرجت الرياح لإيصال رسالتها، حتى جلست ترفع أكفها إلى السماء، شاكرة ربها على ما علمها من حكمة وبلاغة. قالت: “ربي، علمتني منطق الخلائق، فالشكر لك. والآن علمتني كلمات تزلزل القلوب، تفتح بها عيوناً عمياء، وقلوباً غُلفاً، وآذانا صماء. فوفقني لما أمرتني، وكن في عون عبدكمنبر’. وامنحني القوة التي أتحمل بها بشاعة ما سيحدث من أجل رفع الظلم عن المظلومين من مشرق الأرض إلى مغربها.” نهضت، وأحضرت بعض أوراق البردي، وكتبت كلمات بالريشة من خلال محبرة كانت موضوعة على منضدة خشبية بدائية. ثم طوت الرسالة على شكل أسطوانة وربطتها بأشرطة جلدية. ثم دعت الرياح إليها فحضرت، فقالت: “من الآن فصاعداً، ستكونين رسولي إلى منبر. عندما تأتينه، انزعي عنك لباس الجماد وارتدي ثياب البشر، فإنه لن يفقه قولك ولا فعلك لو أتيته بهيئتك. والآن، أعطي هذه الرسالة له.”

جاءت الرياح في صورة بشر، ودخلت الكهف الذي يختلي فيه منبر لتطهير نفسه. وجدته يتخشع، فانتظرت حتى انتهى، وقال: “السلام على ابن المقدسة.” قال منبر: “وعليكِ السلام. من أنتِ أيتها المرأة؟قالت: “أنا الرياح، يجسدني الله في الصورة التي يريدها، لأكون رسولاً بينك وبين المقدسة في المرحلة المقبلة.” ثم ألقت له الرسالة. دهش منبر، فما اعتادت أمه أن ترسل له رسلاً من الجماد. فتح الرسالة، واستبشر وجهه وخفق قلبه خشوعاً. سألها: “هل أنتِ واثقة أن هذا الكلام بريشة وحبر المقدسة أمي؟” فأجابت: “نعم.” قال بسرور: “لله درك يا مقدسة، كلماتك حلوة كالشجرة التي لا تتساقط أوراقها أبداً لأن فروعها تكثر مع نموها. وما علمك الله هذه الحكمة إلا لشيء عظيم.” ظن منبر ساعتها أن الله سيكلفها بأمر عظيم، فتجهم فجأة خوفاً عليها. دخل عليها، فوجدها تناجي ربها. فلما انتهت، قالت: “قرأت الرسالة؟” فأجاب: “نعم يا أمي، ما أروع ما كتبتِ!” قالت: “هو الحسم إذن؟ أنت من اصطفاك الله للرسالة، واصطفاني لأراسلك، والرياح لتكون رسولاً بيننا.” انهار في مكانه وارتجف هلعاً: “أنا؟ إن إيماني بالنسبة لإيمانك كقطرة في بحر.” قالت: “لا يعلم أقدار العباد إلا الله، فاثبت وكن على قدر المسؤولية.” قصت له ما جاء في رسائل الأرض والسماء والمياه، فقال: “علمت الآن لمَ علمك الله هذه الحكمة؛ إن من أراد تقليد بلاغتك سيعجز لا محالة.” قالت: “من قلدك أنت، هذا هو سلاحك في مجابهة أهل الباطل. ستصلك مني رسائل عند الضرورة عبر الرياح لتثبتك وتثبت من اتبعك.” سألها: “من أين أبدأ؟قالت: “من حيث نشأت، من قرية الفجور. ربك أعلم حيث ينزل رسالته، فلا تدهش ولا تخف. والآن خذ هذه القراطيس، فيها تكليفك، وترغيب لأهل الحق وترهيب للباطل. أخبرهم أنها دواء وشفاء، ونور وهدى، وسلاح ينقلهم لأعلى عليين. قل لهم: إن النورانية تحبكم إذا اهتديتم، ولا ذنب لها إذا ضللتم واحترقتم.” قال امتثالاً: “سمعاً وطاعة.”

ركب المنبرُ مَطيّته، فلما كان على مشارف القرية، قابل كهلاً بلغ المائة من عمره، يكاد لا يستطيع أن يتنفس وكأنه يختنق، ولا يكف عن السعال. أخبره منبر بأمره، فقال له العجوز: “لا أؤمن لك إلا إذا قرأت ما في هذه القراطيس، سأتأكد أنك دعيٌّ عندها، لأني أبلغ أهل الأرض وأحكمهم.” ناول منبر القرطاس للرجل، فقرأه، وقال بذهول: “ما هذا بكلام بشر أبداً، إذا كتبه بشر فقد أملاه الله عليه. آمنت برسالتك يا منبر.” وما لبث أن مات من فوره. حزن عليه منبر ودعا له، وتحسر على وفاته لأنه تناول الدواء واستراح به، وفي نفس الوقت تفاءل كثيراً بسبب مفعول ذاك الكلام السحري.

وصل القرية أخيراً، فاستقبله رجل يدعى “حليب”، يبدو على وجهه الوقار والبشاشة، فقال له: “أعرض عليك قرطاساً.” أمسكه حليب وقال: “أتريد مني أن أؤمن لك بحجة؟” قال منبر: “بالطبع.” قال حليب: “لست بحاجة لحجة منك، فأنا أعلم عنك من دماثة الخلق ما يغني، لكن سوف أقرأ القرطاس كي أتلذذ بقراءته فحسب.” فور أن انتهى، أخذته العبرة وقال: “لقد طاب قلبي وبرأ، إنه دواء فعّال للخيّر والشرير. الخيّر يجده شفاء، والشرير يجده كالرعد القاصف فيدفعه عن الشر.” وقف أمام منبر وربت على كتفه: “دواؤك غالب لا يُغلب، وإني ناصرك من طغيان أبي الغضب وأبي النار وأتباعهما.” قال منبر بتأوّه: “صدقت يا حليب، أبو الغضب مهاب في القرية، وأحتاج معونتك ضد هؤلاء الأسياد.” قال حليب: “يسيطرون على مقدرات القرية ويعتبرون من دونهم عبيداً، يذهبون بالرئاسة والملذات على حساب الضعفاء، ولا بد لهذه المأساة أن تنتهي.”

فور وصولهما إلى السوق الكبير، وقف منبر في مركزه ونادى بصوت عالٍ: “يا أهل القرية، هلموا إليّ!” فانتبه الجميع. قال الضعفاء: “إنه منبر، ابن النورانية، لا يأتي منهما إلا الخير.” أما الأسياد فتشاءموا، فهم يعرفون أنه ينكر أفعالهم. جاء أبو النار متأخراً، فشق الصفوف ووقف، فبدأ منبر كلامه: “تسلم النورانية على من اتبع الهدى منكم، وتحذر من اتبع هواه وغوى.” وأشار لحليب بقراءة أحد القراطيس. حين قرأ حليب، خشع الجميع حتى الطغاة، لكنهم سرعان ما أفاقوا كأنهم تحت صاعقة، فارتدت رؤوسهم للخلف. أما العبيد فقد أيقظت الكلمات قلوبهم واستنهضت عزائمهم، فتقدم فريق وأخذوا القراطيس، بينما تردد آخرون خوفاً.

قال أبو النار: “ما أتفهك يا منبر، كل هذه الضجة لتقرأ خرافات على هؤلاء المغيبين.” رد منبر: “خرافات؟! إنها حقٌّ يرد المظالم، وعدلٌ فيه النفس بالنفس، ورحمةٌ تأمركم بالإخاء. أما ما تسميه خرافات فهو دفعٌ للهلاك عنك، فقد اشتكت الأرض والسماء والبحار من ثقلكم ونفاقكم.” انفجر أبو النار ضاحكاً: “أنت كاذب! كذبك بلغ الآفاق.” حضر أبو الغضب يترنح بكؤوس الخمر، يشاهد مباريات “القتال حتى الموت” بين العبيد. قال بسخرية: “يا ابن المدنسة المظلمة، من أذن لك أن تجمع رجالنا لتسمعهم هذه الأكاذيب؟” قرأ عليه منبر قرطاساً يساوي بين الحر والعبد، والفقير والغني. انتفخت أوداج أبو الغضب، وألقى بكأسه على منبر، فتناثر الخمر على جبهته وخديه كبقع حمراء وصفراء. مسح حليب الخمر عن منبر، بينما قال أبو الغضب: “ما تدعو إليه يفسد مجتمعنا ويحوله لغابة.” قال منبر: “أنت تجحد يا أبو الغضب، لكن إن كنت لا تحب أن يطلق عليك الأقوياء اسم “فقير”، فأحرى ألا تسمي أحداً عبداً. تداوَ بالقراطيس، عندها ستملك رقاب الملوك.” ضحك أبو الغضب بهستيريا: “بهذه القراطيس نملك الملوك؟! بل بها ستنشر الفوضى.” ونظر للعبيد: “ألقوا هذه القراطيس وادعسوها بأقدامكم.” ألقى بعضهم وتردد آخرون، فانتزعها أبو الغضب وداسها بنعليه. قال أحد العبيد: “هذه القراطيس فيها نور وهدى، لا تُداس بالأقدام.” فجذبه أبو الغضب وسأله: “أتؤمن أنها شفاء؟” قال: “نعم.” فاستل سيفه وأطاح برأس العبد وزميل له وهو يضحك: “هذا هو الشفاء والرحمة.” قال منبر: “استخدمت قوتك، ولو كان أحدهما أقوى منك لقتلك؛ سيفك باطل وسيفه حق.”

أمر أبو الغضب بربط المتبعين في جذوع النخل وتعذيبهم حتى الموت. تدخل حليب وقال: “معي مال، وأنا أفديهم جميعاً، فحلوا وثاقهم.” حلوا وثاقهم وأخذوا المال، ثم أعادوا ربطهم غدراً وطلبوا مالاً جديداً لتحريرهم. جذب أبو الغضب منبر من ثيابه وتوعده بالقتل، صائحاً: “اذهب إلى أمك، لعنة الله عليك وعليها.”

حين نقلت الرياح للمقدسة ما حدث، ترحمت على الشهداء وأعدت رسائل وعيد لكل من سار على نهج أبي الغضب. ظل منبر يصدع بالحق، وأخذ الضعفاء القراطيس سراً، حتى أضحى له شوكة تصدعت منها قلوب أعدائه. اجتمع الأعداء يتهم بعضهم بعضاً، حتى اقترح أبو الغضب فكرة شيطانية: “سنصنع سيفاً ذا مقابض متعددة، يمسكه كل واحد منا، وننزل به على رقبته معاً، فلا يقوى أتباعه على الانتقام من القرية بأكملها.”

وصل الخبر للمقدسة عبر الريح، فبكت وأمرت منبر بالانتقال لمدينة القناديل: “اذهب لمدينة قناديل فإن أهلها طيبون، سيساعدونك على رد الشرف، واحذر أبا الغضب فإنه يعد لقتلك، اخرج ليلاً ولن تفر إلا بمساعدة الريح.” أعد منبر عدته، وهبت الرياح تخبره بتربصهم عند الباب. قالت له: “سألبسك من ألبستي ثوباً يخفيك.” خرج منبر متخفياً يمر بين أعدائه دون أن يشعروا، حتى وصل إلى حليب عند المشارف. واصلا الرحلة حتى بلغا القناديل، فاستقبله أهلها بالأحضان ووعدوه بالنصرة. أدرك منبر أنه وطئ أولى خطوات النصر في مدينةٍ يجلس فيها الفريسة والمفترس في أنس وسلام. التفت منبر إلى حليب وقال: “حقاً، من هنا يعلو الحق. إن كنا حفاة عراة بالأمس، فسنكون أصحاب التيجان غداً.” سأله حليب: “بهذه السهولة؟” أجاب: “كلما قطفنا رأساً من رؤوس الباطل، زرعنا مكانه بذرة حق.” بعثت المقدسة رسالة تطمين عبر الرياح، تبشر بالفتح المبين؛ عهد جديد تختفي فيه صرخات المظلومين، وتتلاشى روائح الدماء، ويعم السلام وتنطفئ نيران الظلم في غضون سنوات قليلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى