
قبل الكازية
قبل أن تسمحوا للمرأة ، العمل في (الكازيات) ، وقبل أن تعترضوا على فكرة، فتح باب التوظيف أمام الأردنيات للعمل في محطات تعبئة الوقود ، عليكم أولا أن تمنحوها ما سلبه إياها الفكر المجتمعي المتخلف ،الذي حرمها من أبسط حقوقها في الميراث والعلم والعمل وحق اختيار الشريك .
عن أي شيء يعترضون ؟ وما زالت الفتيات يُكرَهن على الزواج ولا يؤخذ برأيهن باختيار شريك المستقبل ؟ وفتيات حُرمن من العمل بشهادتهن تحت ضغوط أسرية أو زوجية ،وما تزال هناك مناطق في بلدنا تَحرم البنات من حقهن الشرعي في الميراث،وفتيات تم حرمانهن من اختيار التخصص الذي يرغبن به ، كونه مرفوض مجتمعيا، لقيم بالية متوارثة داخل بيئتنا، حتى أن البعض من البنات تحرم من اختيار الصديقة!.
رغم كل هذا الحرمان ، يأتي الفرج المجتمعي بنصرة المرأة، لكسر ثقافة العيب ،ومساندتها لدخول مجال ما يزال تحت السيطرة الذكوريه ، بمنحها حق مزاولة مهنة عاملة في محطات تعبئة الوقود ( الكازيات ) ، وفتح باب العمل لها بوظيفة عاملة وطن .
هل هذه المهن ما زالت مغلقة أمام المرأة كونها من المهن غير اللائقة أو أنها لا تتناسب مع قدراتها، كما الوظائف العليا،التي ما زالت مغلقة أمامها ويحتكرها الرجال ، ولا تجد من يؤيد أو يساند مثل هذا التوجه لفتحها أمام المرأة ،التي تحارب وحدها ، ويتم اقصائها منها، لتبقى الساحة مفتوحة أمام الرجال المهيمنين على المناصب المتقدمة والوظائف العليا ووو.
بعد هذه اللفته الكريمة ، التي أعلنت عنها إحدى شركات تسويق المشتقات النفطية لفتح باب التعيين في محطات تعبئة الوقود ( الكازيات ) أمام الأردنيات ، مقابل رواتب وامتيازات مجزية ، وتداولتها مواقع الكترونية،ونقلتها بعض صفحات التواصل الاجتماعي ( الفيسبوك )، أصبح هذا التوجه مدار نقاش في البرامج الاذاعية الصباحية ، ورصدت الآراء حولها بين مؤيد ومعارض،حيث بررت نساء رفضهن لمثل هذا التوجه لأنه يمثل إهانه للمرأة ؛ ويمس كرامتها ولا يحافظ على أنوثتها ،فيما وجدت نساء أن تأييدهن يندرج تحت باب حرية الاختيار.
أما آراء الرجال – إلا ما رحم ربي – انصبت في رفضهم القاطع لعمل المرأة في مثل هذه المهن، المعروفه لدى الجميع بأنها من المهن ( الوضيعة ) ، كما وصفوها .
وكان بالاحرى أن يعرف مثل هؤلاء أن الأصل في الأخلاق أنها ثابتة،وهي انعكاس للتربية البيتية والمدرسية،ولا دخل للمهنة بها ، إلا إذا كانت مهنا بعيدة عن الأخلاق، فلو نظر كل رجل إلى زميلته في العمل نظرة الأخت والأم والابنه ، لكانت كرامة المرأة مصونه .
المضحك في الأمر، أن الشركة تعهدت بتوفير الحماية للمتقدمات لهذه الوظيفة من الاساءة أو التحرش بالتنسيق مع مديرية الامن العام ، وسيتم حصر دوامهن بساعات النهار ،بما يتناسب مع العادات والقيم والانماط الاجتماعية السائدة في مجتمعنا المحافظ ، مع الزامهن بلباس محتشم يتلاءم مع ظروف العمل، متناسين أن التحرش لا يقتصر على مهنة بعينها ، وأن المرأة العاملة في القطاعين العام والخاص لا تسلم أيضا من التحرش.
إذا كان من حق المرأة الأردنية العمل في الكازيات ،فلماذا لا يدخل والدها أوشقيقها من قبلها إلى هذا العالم، الذي ليس حكرا على الرجال،وإنما يقتصر إلى حد كبير على جنسية بعينها ، ليتعرف على بيئة العمل، قبل أن يسمح و يمنع ابنته من العمل في الكازيات.
قصص عديدة أظهرت لنا تباين الآراء والمواقف من قبل الرجال في قضية عمل المرأة ، تتغير بمقدار الحاجة ، ليتحول التعنت والرفض من قبول مهن كانت من المحرمات ( تابوهات ) على المرأة ، إلى إيجاد العبارات التي تعبر بمضمونها عن تأييد عملها من خلال وصفها بأنها ” أخت رجال” ، أو “أن شغل البنت مش عيب” ، فيما يعتبر البعض أنه ليس من الخطأ أن تساعد المرأة الرجل وتقف معه .
إذن ، ما المقصود من هذا الطرح والسماح للمرأة بدخول هذه المهنة بالذات ، خاصة بعد مؤتمر المانحين ، والتعهد بتوفير فرص عمل أمام اللاجئين ، وزيادة رقعة البطالة بين صفوف الأردنيين ، هل المقصود حل المشاكل ؟ أم زيادة المشاكل وخلقها ؟ هل بني هذا القرار على دراسات لمعرفة مدى انعكاساته على مجتمعنا ؟
هل كسر ثقافة العيب في مجتمعنا تكون بكسر ارادة المرأة!. وهل مكافحة الفقر يكون بقتل الفقير والاساءة إلى سمعته وتدميره اخلاقيا ومجتمعيا؟. وهل الحد من البطالة يكون باستغلال الحاجة إلى العمل من خلال السماح بمزاولة مهن، محيطها لا يصون كرامة المرأة .
ماذا وراء قصة الكازيات ؟ وما بعد الكازية ؟
Jaradat63@yahoo.com
