
في ذكرى مولد سيد الخلق
الإنسان عقلٌ وقلبٌ، فَبِعَقلِهِ يُؤمن، وبقلبِه يُحبّ، والنبي – عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ – يقولُ : ألا لا إيمانَ لِمَنْ لا محبّة له، ألا لا إيمانَ لِمنْ لا مَحبّةَ لهُ، ألا لا إيمانَ لِمَنْ لا محبّةَ لهُ، أي أنّ الإيمانَ بلا محبّةٍ جَسدٌ بلا روح، الإيمان جسدٌ روحُهُ المحبَّةَ ،فَمَنْ لم يخفقْ قلبُه بِحُبِّ رسولِ اللهِ – عليه الصلاة والسلام – فليبحثْ عن الحُجُبِ الكثيفةِ التي تحولُ بينَه وبينَ الإقبالِ على اللهِ تعالى ، لأنّ حبّ النبيِّ – عليه الصلاة والسلام –ليس كَحُبّ أيّ إنسانٍ آخر ، إنّ حبّ النبيِّ هو ، عين حبّ الله – عز وجل- لأنّه بابُهُ، ولأنّ البابَ يُبْتَغَى لِمَن أرادَ الدخولَ.
فحبُّ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – واجبٌ ، وليس أمرًا ثانويًا أو أمرًا مخيرًا فيه ،إنْ شاءَ المرءُ أحبَّه وإنْ شاءَ لم يحبْه ، بل هي واجبٌ على كل مسلمٍ ، وهي من صميمِ الإيمانِ ولابدَّ لهذا الحبِّ أنْ يكونَ أقوى منْ أيِّ حبٍ ولو كانَ حبُّ المرءِ لنفسِهِ .
قالَ – صلى الله عليه وسلم – : (“فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ”). [البخاري]
ومنْ تأمَّلَ الخيرَ الواصلَ إليهِ منْ جِهَتِهِ – صلى الله عليه وسلم – عَلِمَ أنَّهُ أحقُّ بالمحبَّةِ والتوقيرِ والتعظيمِ والإتباع من الآباءِ والأمهاتِ فإذا كان الآباء والأمهات سببًا في الحياةِ الفانيةِ فالنبيَّ – صلى الله عليه وسلم – سببٌ في الحياةِ الدائمةِ الباقيةِ ، بل هو بأبي وأمي ، أحبًّ إليّنا مِنْ أنفسِنَا ، كما قالَ اللهُ – عز وجل – : (النبيُّ أولَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ ) وفي الصحيح أيضاً : أنَّ رسولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – أخذَ بيدِ عُمَر بنِ الخطَّابِ – رضي الله عنه – ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – : [ لاَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ ] فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: والذي أنزلَ عليكَ الكتابَ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي التي بين جَنْبَيَّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم -: [الْآنَ يَا عُمَرُ ] . معنى ذلك : أيْ كَمُلَ إيمانُكَ الآن .
فمحبَّة الحبيبِ محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – شرطٌ في صحةِ الإيمانِ ، وهو بابُ الدخولِ على اللهِ – عز وجلَّ – ووثيقة العبورِ [ جوازُ سفرٍ ] للدخولِ إلى الجنَّةِ التي لا يَحظَى بها إلا المُحبُّون ، والنارُ محرَّمٌ عليها أنْ تحرِقَ قلبًا فيه محبةُ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – حبيبُ اللهِ .
وأقلّ درجاتِ المحبةِ اتباعُ الحبيبِ – صلى الله عليه وسلم – فمنْ أبى اتباعَ الحبيبِ محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – فقدْ أبى محبَّتَهُ ومنْ أبى محبَّتَه ، فقدْ أبى دخولَ الجنةِ ، وهذا هو الرسولُ الأعظمُ – صلى الله عليه وسلم – يقولُ (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى ) روى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ أَعْرَابِيَّا ، قَالَ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَتَىَ السَّاعَةُ؟ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [ مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟] قَالَ:والله ما أعددت من كثير صلاة ولا صوم إلا أني أحُبُّ اللهِ وَرَسُولِهِ ، قَالَ: [أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ].
قال أنس : فما رأيتُ المسلمين فرحوا بعد الإسلامِ بشيءٍ فرحًا أشدَ منْ قولِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – (فإنَّكَ معَ مَنْ أحبَبْتَ ) قال أنس – رضي الله عنه – : فنحنُ نحبُّ اللهَ ورسولَهُ وأبا بكرٍ وعمرَ – رضي الله عنهم أجمعين – وإنْ لمْ نعملْ بأعمالِهم .
ومَن بشائرِه أنْ يُحشَرَ الإنسانُ معَ حبيبِه رسولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً (69)﴾
نزلتْ هذه الآية في ثّوْبَان مَولَى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكان شديدُ الحبِّ لهُ ، قليلُ الصبرِ عنه فأتاهُ ذاتَ يومٍ وقدْ تغيَّرِ لونُه ، ونحلَ جِسْمُهُ ، يُعرَفُ في وجهِهِ الحزنُ ، فسأله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن حالِه ، فقالَ : يا رسولَ اللهِ ، ما بِيَ وجعٌ ، غيرَ أنِّي إذا لمْ أركَ اشتقتُ إليكَ ، واستوحشتُ وحشةً شديدةً حتى ألقاكَ ، ثمَّ ذكرتُ الآخرةَ ، وأخافُ ألَّا أراكَ هناكَ ، لأنَّك تكونُ في درجاتِ النبيِّين ، وإنْ أنا لمْ أدخلْ الجنَّةَ ، فحينئذٍ لا أراكَ أبدًا ، فأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ .
إنَّ الذين يدَّعُون محبَّة رسولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – في هذه الأيَّامِ كثيرون ، بينما في حقيقتِهم يتَّبِعون خطواتِ الشيطانِ ، ويَحْيَونَ حياةِ العصيانِ ، فأرادَ اللهُ – عزَّ وجلَّ – أنْ يمتحنَهم ، فطالبَهم بإقامةِ البيَّنةِ على صحةِ دعواهم ، فأنزلَ اللهُ – عزَّ وجلَّ – آيةَ المحبَّةِ ، قال الله تعالى frown رمز تعبيري قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ] إشارةٌ إلى دليلِ المحبةِ وثمرتِها وفائدتِها ، فدليلُها وعلامتُها اتباعُ الرسولِ – صلى الله عليه وسلم – وفائدتُها وثمرتُها محبة الله – عزَّ وجلَّ – فما لمْ تحصلْ المتابعةُ فلا محبةَ لنا حاصلةٌ ومحبتُه – عزَّ وجلَّ – لنا منتفيةٌ ، فاتباعُ الحبيبِ محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – شرط ُالمحبَّة لنا ، وهو الوسيلةُ الموصلةُ إلى محبَّةِ الله – جلَّ جلالهُ – . ورحمَ اللهُ القائلَ :
Montaser1956@hotmail.com
