
صلاحية المحافظ بالتوقيف الاداري … هل هي مطابقة للقانون ؟
المحامي الدكتور حازم سليمان التوبات
خاص – سواليف
يتساءل الكثير عن مدى دستورية وقانونية قيام المحافظ بتوقيف المواطنيين المشاركين بالمسيرات والوقفات الاحتجاجية أو بتوقيف المواطنيين في القضايا التي تتعلق بجرائم النشر عبر الوسائل الالكترونية وما هو السند القانوني الذي يستند اليه اذا قام بهذا الاجراء.
للإجابة على هذا السؤال نقول أن القانون الذي يعطي للمحافظ صلاحيات قضائية ويعطيه سلطة التوقيف الاداري هو قانون منع الجرائم الصادر عام 1954. ولكن هل قيام المحافظ بهذا الاجراء يتوافق مع ما جاء به القانون نفسه ويتوافق مع موجبات هذا القانون , ويتوافق كذلك مع احكام الدستور الاردني والمبادئ الدستورية المستقرة فقهاً وقضاءً. ومن هنا وللتوضيح أكثر حول هذا القانون لا بد من التطرق له من حيث ظروف اصداره وامتداده التاريخي وأوجه مخالفة هذا القانون للاحكام والدستورية وما هو الاجراء في حال تعسف المحافظ في استعمال الصلاحية الممنوحة له بموجب هذا القانون واعتدائه على حقوق المواطنيين وحرياتهم.
أولا: ظروف اصدار هذا القانون وامتداده التاريخي
قانون منع الجرائم الحالي الصادر عام 1954 هو امتداد لقانون منع الجرائم الذي صدر في عهد الانتداب البريطاني عام 1927 كقانون استثنائي يعطي المحافظ سلطات قضائية واسعة حيث كان يهدف الى تعزيز الوجود البريطاني في الاردن ومواجهة القوى الوطنية المناهضة للانتداب في الاردن وفلسطين والحد من قدراتها. وليتمكن المستعمر من الامساك بزمام الامور وإدارة شؤون البلاد بيد من حديد. وبعد استقلال شرق الاردن وانتهاء الانتداب البريطاني طلب مجلس النواب الاردني بالإجماع من الحكومة الغاء قانون منع الجرائم لسنة 1927 وغيره من القوانين الاستثنائية إلا ان الحكومة لم تستجب لطلب المجلس وأبقت القوانين التي صدرت في عهد الانتداب كما هي. وفي عام 1954 قامت الحكومة باستبدال قانون منع الجرائم الصادر عام 1927 بقانون منع الجرائم لسنة 1954 المعمولا به لغاية الان والذي بموجبه تم الاحتفاظ للمحافظ بسلطات قضائية واسعة ومن ضمنها سلطة التوقيف الاداري.
ثانيا: مبررات اصدار هذا القانون
يتم تبرير هذا القانون وتسويقه باعتباره قانونا وقائيا وحمائيا يهدف الى منع الجرائم التي تخل بأمن المجتمع قبل وقوعها، وخاصة جرائم القتل والشرف والسرقات , حيث يقتصر تطبيق هذا القانون على حالات محددة وعلى الاشخاص الذين يشكلون خطرا على المجتمع ويمتهنون الإجرام والإعتداء على المواطنين والممتلكات واستخدام الأدوات الحادة والأسلحة النارية ، ويقومون بترويع المواطنين وابتزازهم ، وبالتالي فان هذه الفئات يمكن توقيفهم من قبل المحافظ بموجب قانون منع الجرائم حفاظاً على أمن وحياة الآخرين.
كما ان من مبررات هذا القانون هو حل قضايا المتعلقة بالشرف أو قضايا القتل التي أنهى الجاني فيها محكوميته دون ان تقوم عشيرته بإجراءات الصلح العشائري , حيث يتم التوقيف الجاني في هذه الحالة للضغط على ذوي الجاني ليقوموا بإجراءات الصلح العشائري حفاظاً على حياة الافراد وحقناً للدماء باعتبار ان ترك الجاني الذي انهى محكوميته في جرائم القتل والعرض حراً دون إجراء الصلح العشائري يشكل خطورة كبيرة على حياته نظراً للأعراف العشائرية السائدة في المجتمع الاردني .كما ان من مبررات التوقيف الاداري أنه يهدف الى حماية الفتيات اللواتي يتغيبن عن منزل اولياء امورهن أو ازواجهن أو التي تنهي محكوميتها عن جرم الزنا او اي جرم اخر يمس بالشرف ، ذلك ان ترك هذه الفتاة حرة قد يؤدي الى قتلها من قبل أهلها او زوجها. ومن هنا فإننا لم نجد من هذه المبررات والتي تم تسويقها حكوميا ما ما يمكن القياس عليه للحد من الجرائم الالكترونية أو معاقبة من يشارك بالمسيرات والاحتجاجات السلمية أو حتى قيامه بأي فعل حتى لو كان هذا الفعل مجرما بموجب القانون. فدور المحافظ هو استباقي وقائي يهدف لمنع الجرائم وليس توقيع العقوبة على مرتكب الجريمة .
كما أن الاشخاص الذين تنطبق عليهم نصوص قانون منع الجرائم هم الاشخاص الذين ذكرتهم المادة 3 من القانون وهم:
1. كل من وجد في مكان عام او خاص في ظروف تقنع المتصرف بانه كان على وشك ارتكاب اي جرم او المساعدة على ارتكابه.
2. كل من اعتاد اللصوصية او السرقة او حيازة الاموال المسروقة او اعتاد حماية اللصوص او ايواءهم او المساعدة على اخفاء الاموال المسروقة او التصرف فيها .
3. كل من كان في حالة تجعل وجوده طليقاً بلا كفالة خطراً على الناس .
ثالثا: أوجه مخالفة هذا القانون للدستور
هذا القانون وان كانت مبررات اصداره تحقيق مصلحة المجتمع وحمايته من اللصوصية ومكرري الاجرام الا انه لا يمكن استخدامه في غير الاغراض التي جاء من اجلها ولا يجوز كذلك التوسع في استعماله تحت مبررات الضرورة والحفاظ على النظام العام دون توفير الضمانات القانونية أو مراعاة الاصول القانونية التي نظمها قانون منع الجرائم نفسه وقانون أصول المحاكمات الجزائية , ودون الالتزام بالمعايير الدستورية بهذا الشأن. ان قانون منع الجرائم يحتوي على عبارات فضفاضة وغامضة يتم تفسيرها من قبل البعض لمنح المحافظ سلطات واسعة متذرعا بأن قانون منح الجرائم يمنحه هذه السلطة.
هذا القانون , وبالرغم من المخالفات الدستورية التي شابة احكامه, وان كان يعطي للمحافظ سلطات تقديرية الا أنه لا يمكن ان ننظر لأحكامه بمعزل عن النصوص والمبادئ الدستورية , وكذلك عن مبررات اصداره. فهذا القانون هو قانون وقائي وجد لمنع بعض انواع الجرائم الخطيرة على المجتمع قبل حدوثها ولا يمكن استعماله بأي حال من الاحوال الا في الحدود المقررة له وبالتالي لا يجوز استعماله كسيف مسلط على رقاب المواطنيين لمنعهم عن ممارسة حقهم في التعبير عن رأيهم بالوسائل السلمية, فهو لا يجيز للمحافظ ان يصدر مذكرة توقيف بحق اي شخص لجريمة تندرج تحت اطار الجرائم الالكترونية او بسبب القيام بأي فعل يندرج تحت اطار حرية التعبير عن الرأي, فالجهة المختصة بملاحقة مرتكب هذا الجرائم هي الجهات القضائية وليس المحافظ, وبالتالي فإن قيام المحافظ باعتقال وتوقيف اي شخص يشارك بالمسيرات والوقفات الاحتجاجية هو مخالف للدستور والقوانين بما فيها قانون منع الجرائم نفسه. وفيها اعتداء على اختصاص واستقلالية السلطة القضائية وفيه مخالفة صريحة لمبدأ الفصل بين السلطات الذي كرسه الدستور الاردني. كما وانه يشكل انتهاكا صارخا لحقوق المواطنين وحرياتهم المكفولة بموجب الدستور. ويشكل استنادا لنص المادة 7/2 من الدستور جريمة يعاقب عليها القانون فتص هذه المادة على انه (كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون). كما وتنص المادة 8 على الحماية من الاعتقال غير المبرر بأنه : (لا يجوز أن يقبض على أحد أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته إلا وفق أحكام القانون وكل من يقبض عليه أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز تعذيبه، بأي شكل من الأشكال، أو إيذاؤه بدنياً أو معنوياً، كما لا يجوز حجزه في غير الأماكن التي تجيزها القوانين، وكل قول يصدر عن أي شخص تحت وطأة أي تعذيب أو إيذاء أو تهديد لا يعتد به(.
كما انه يشكل مخالفة لنص المادة (178 ( من قانون العقوبات التي تنص ( كل موظف أوقف او حبس شخصا في غير الحالات التي ينص عليها القانون يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر الى سنة ) وكذلك نص المادة (346) ( كل من قبض على شخص وحرمه حريته بوجه غير مشروع ، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة او بغرامة لا تزيد على خمسين دينارا ، وإذا كان قد حجزه -بادعائه زورا – بأنه يشغل وظيفة رسمية او بانه ً يحمل مذكرة قانونية بالقبض عليه – يعاقب بالحبس مدة ستة أشهر الى سنتين.
وبما ان المحافظ هو موظف فإن هذه النصوص القانونيه تنطبق عليه وبالتالي فإن من حق كل من يتم اعتقاله وتوقيفه من قبل المحافظ ويعتقد بأن هذا التوقيف مخالف للقانون أو أن المحافظ قد تعسف في استعمال سلطته فإنه يستطيع اللجوء الى القضاء وتقديم شكوى بحق المحافظ استنادا الى هذا النصوص الدستورية والقانونية.
بقي أن نقول أن الصلاحيات الممنوحة بموجب قانون منع الجرائم هي للمحافظ وليس للمتصرف أو نائب المحافظ , كما أن القانون لم يجز للمحافظ أن يفوض صلاحياته الممنوحة له بموجب قانون منع الجرائم لأي منهم نائبة أو المتصرف وبالتالي فإن نائب المحافظ أو المتصرف لا يستطيع اصدار مذكرة اعتقال أو توقيف استنادا الى قانون منع الجرائم, وفي هذا قضت المحكمة الادارية بإلغاء القرار الصادر عن متصرف لواء قصبة العاصمة القاضي باعتبار أحد الأفراد من الأشخاص الوارد وصفهم في المادة (3) من قانون منع الجرائم، حيث قرر المتصرف تكليفه بإحضار كفالة عدلية بقيمة مائة ألف دينار، ووضعه في أحد مراكز الإصلاح والتأهيل لحين تنفيذ قرار المتصرف القاضي بإحضار الكفالة المطلوبة.وقد جاء في قرار المحكمة بأن المادة (3) من قانون منع الجرائم التي استند إليها القرار الطعين أنه ولغايات وضع الشخص تحت الرقابة يشترط أن تتوافر الشروط التالية:
1. أن يكون القرار صادراً عن المحافظ استناداً لصلاحياته القانونية.
2. أن يكون الشخص من الأصناف المشار إليها في المادة (3) من القانون.
وبالرجوع إلى القرار الطعين فإن الذي أصدر القرار هو متصرف لواء قصبة عمان وليس المحافظ، وبذلك يكون القرار صادراً ممن لا يملك حق إصداره ويكون مستوجباً الإلغاء لعلة عدم الاختصاص.إضافة إلى ذلك فإن المحكمة تجد أن المستدعي ليس من ضمن الأشخاص الواردين في المادة (3) من قانون منع الجرائم.