في سجن الجويدة (٦) / النزيل : محمود الشمايلة

في سجن الجويدة (٦)

غرفة الاستقبال :

يقول الأديب الروسي ديستوفسكي ( ما أسعد أولئك الذين لا يملكون شيئا يستحق أن يوصدوا عليه الأبواب بالأقفال..

ارتديت ملابس السجن وفرحت كثيرا بالحفاية البلاستيكية حتى لو كانت واسعة كثيرا ،
وقفنا في طابور طويل ثم طلب منا الشرطي أن ندخل صالة واسعة ، ناداني شرطي آخر ، وسألني هل تريد أن تدخن : قلت له شاكرا كرمه الحاتمي نعم ، قال تعال وقف هنا في تلك الغرفة الصغيرة ، دخنت سيجارة أو اثنتين ، حتى جاء حارس آخر وطلب من الجميع الوقوف بجانب الحائط ، في صدر الغرفة فتح احد الأبواب الحديدية ، فيما كان بعض النزلاء ينظرون إلينا من طاقة أبواب المهاجع الأخرى، ، ، وعندما اقتربت من الباب ، كان احد سجناء المهجع يناديني باسمي ،
لم استطع التعرف عليه ، ولا حتى الاقتراب منه فقد كان الحارس يكومنا في غرفة قميئة قالوا أنها غرفة الاستقبال.

مقالات ذات صلة

دخلت الغرفة مع مجموعة من زملاء الفجيعة، فيما أغلق الباب بأحكام.
كانت الغرفة تكاد تشتعل من فرط الحرارة ، ، ،
في مدخل الغرفة ممر قصير يفضي إليها، مجموعة من الأسرة الحديدية بطابقين مسندة إلى جدران الغرفة والكثير من الاجساد العارية تنتشر كدجاج المزارع .
فاضت بنا الغرفة حتى اننا لم نستطع التحرك ، عبثا حاولت أن احصي العدد ، فآثرت التقدير على ذلك …
خمنت أن عدد الأشخاص في تلك الغرفة القميئة تجاوز المئتين نزيل.او ربما اكثر
مجموعة من الروائح الكريهة داهمتني، فلم اعد اميزها٠، التقيت بعدد من الأشخاص بعظهم عرفني على نفسه ثم ابدا دهشته من وجودي بينهم ،كان يعرفني جيدا غير اني لا أذكر اني عرفته من قبل ، ، ،
المسكين اراد ان يستضيفني ويقدم لي خدمات الضيافة، غير أنه لم يجد سوى مساحة على البلاط لنجلس عليها مع مجموعة من الأشخاص الذين أعرفهم جيدا.

فراس احد أبناء الكرك ، ايضا كان هنا بتهمة تعاطي المخدر ، فرح بوجودي بفائض من الآسى، لم يعجبه ما انا فيه لذلك قام من مكانة ليدفع مبلغ ثلاثة دنانير لأحد المساجين المكلف بوظيفة ( شاويش المهجع) ليوفر لنا سريرين طابق ثاني، لنجلس فوقهما ، قلت لفراس مازحا( يخرب بيت الكركية فسادكوا واصل لسجن الجويدة ) ضحك فراس ثم أضاف غدا ساحعلك تزور مهج قرايبك الكركية ولا يهمك.

غرفة الاستقبال هي سجن داخل سجن ، حاولت استطلاع امر الغرفة لمعرفة أسرارها، استعنت بفراس وامطرته بالكثير من الأسئلة، ، ، ، ، وبعد أن إجابني ابدا فراس استغرابه لأني لم أسئلة عن موعد خروجنا من تلك الغرفة .

قلت اليست هذه هي السجن الذي يجب أن نقيم فيه؟؟
ضحك فراس بشكل هستيري ثم راح يخبر زملائه العارفين بشؤون السجون ..ضحكوا جميعهم وانا ايضا شاركتهم الضحك فليس لي حاجة الان بمن يحترم غبائي.

قال فراس : يا استاذ محمود هذه غرفة استقبال الموقفين الجدد ، وسيتم توزيعنا على المهاجع ..
ثم قال ساخرا هذه الغرفة ليست سجن أنها غرفة للتعذيب النفسي ، أنها غرفة قذرة ليس لك أن تشعر بادميتك ولن تمتلك انسانيتك ، هذه الغرفة لا تصلح أن تكون زريبة للحيوانات.
في الحقيقة كان فراس على حق ، ربما لم أشعر بذلك لأني أشغلت نفسي بالأسئلة والبحث عن أسرار الغرفة حتى لا أشعر بالألم..

مضت ساعة أو ربما ساعتين فتح الباب وجاء الحارس ليخرجنا في طابور جديد

خرجت من الغرفة إلى الصالة فشعرت ببرودة دبت في عروقي ، هي حالة أشبه بالانتعاش.

كانت فرحتي أكبر عندما خرجنا إلى الساحة السماوية كان الجو ساحرا والإضاءة الخافتة كانت ستعطيني مزيدا من الرومانسية ، حتى أنني عزمت على كتابة قصيدة حتى لو كانت مبتورة الوزن .

باغتني فراس بسؤال ، ،، هل عرفت لماذا سجنوك؟!
عم الصمت وانا اتابع وجه فراس دون أن ابدي اية إجابة.

ثم أردف يقول انهم خائفون
خائفون جدا
لو لم يشعروا بالخوف ما هزتهم كلماتك وما التفتوا إليها.

انهم يخفون الكثير من الأسرار القذرة.

يا استاذ محمود ،، أن قلوبهم تشبه تلك الغرفة التي خرجنا منها توا ، فقد ضمت كل انواع الجريمة في البلد ، قتل تجارة مخدرات لصوص بيوت سطو والكثير الكثير ..
الأسرار تقتل صاحبها فهو يشغل نفسه في كتمها فلا يهنىء بنوم ولا عافية .

قلت يا فراس: هل تعرف ديستوفسكي؟
قال: هل هو موقوف في سجن الجويدة ؟
قلت لا هو سجين في قلبك….
أو ربما روحه تسكن جسدك.

كان الضابط يلقي باوامرة على المساجين والحرس وانا كنت اسافر في سماءات عمان واعد نجومها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى